قال: (( إن لكل شيءٍ حقيقةً وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن لصيبه ) ). وخرج أبو داود وابن ماجة من حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه أيضًا.
واعلم أن مدار جميع هذه الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس على هذا الأصل، وما بعده وما قبله متفرع عليه وراجع إليه، فإنه إذا علم العبد أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر أو نفع أو ضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم جميعًا على خلاف المقدور غير مفيد شيئًا البتة، علم حينئذ ٍأن الله تعالى وحده هو الضار والنافع والمعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه -عز وجل- وإفراده بالاستعانة والسؤال والتضرع والابتهال، وإفراده أيضًا بالعبادة والطاعة. لأن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله سبحانه من يعبد ما لا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده شيئًا، وأيضًا فكثير ممن لا يحقق الإيمان في قلبه يقدم طاعة مخلوق على طاعة الله رجاء نفعه أو دفعًا لضره. فإذا تحقق العبد تفرد الله وحده بالنفع والضر وبالعطاء والمنع، أوجب ذلك إفراده بالطاعة والعبادة، ويقدم طاعته على طاعة الخلق كلهم