والخلاصة المستفادة:
أن هناك واقعًا لابدَّ أن ننتبه له ومستقبلًا نأمل أن نصل له بعيدًا عن الرغبات الشخصية في نيل الشهادة والنجاة من الدنيا .. فإننا يجب أن نبذل أرواحنا ونسفك دمائنا لله آملين أن يحيا أبنائنا مستقبلًا إسلاميًا يحكمه القرآن لا الدستور .. فالحياة لها شقان شق يسوسها وشق يحميها .. ومن أسباب النصر أن نأخذ بكلية الأمر لا بشق منه .. حتى يكتب لنا التوفيق .. وكفانا تجارب جديدة, ولنبنِ على نتائج تجارب إخواننا, فلا نستدرج إلى ما استدرجوا إليه, ولا نسقط فيما سقطوا فيه .. ونسأل الله لنا ولهم العفو والمغفرة, وأن يجمعنا بهم سبحانه في مستقر رحمته.
وعندما أقول الشق السياسي, فلا أقصد الغش والخداع وتلبيس الحق بالباطل والتميع في الدين والتلون كالحرباء .. أبدًا .. ولكنني أقصد ما تعلمناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فرسولنا صلى الله عليه وسلم كان يسوس حياة الأمة ويقود جهادها في الميدان .. وهكذا أصحاب الدعوات ولنا فيه أسوة حسنة .. ولنكن على يقين أن هناك قوانين لإقامة الأمم, فإن نحن أغفلنا هذه القوانين والأسس, فسنظل ندور في حلقة جيلًا بعد جيل مخالفين سنة رسولنا وأمر ربنا ببذل الوسع في عالم الأسباب.
إذًا فنحن أمة قادرة على التغيير .. فلدينا المنهج ولدينا الإرادة لذلك .. وهذان هما شقا التغيير يساعدهما عدد من العناصر, فنحن بحاجة إلى وعي سياسي ورؤية مستقبلية وقيادة مخلصة مستوعبة, تدرك أبعاد الصراع, تحسن التخطيط, ولديها التصميم والقدرة على تحمل البلاء والصبر عليه .. فهي ليست رحلة يوم بل مسيرة أجيال .. كما أن لديها - القيادة - القدرة على إنشاء الأجهزة التي تعمل لتحقيق رؤيتها وفق مراحل عمل تنتهي بإقامة الدولة .. والقيادة الواعية هي التي تدرك أن عملها هذا قد يستنفد عمرها, وأن ثمرة عملها قد تتناولها أيدي أبنائها .. فلا يجعلها قصرُ العمر والحرصُ على طلب الثمرة تتعجل .. فلا تقطفها ولا تورثها لأبنائها .. وهذا الفهم والتحرك السياسي لا بدَّ له من قوة, فلا شك بل من المتيقن لدينا أن مادة بناء الأمم هي الدماء ولا شيء غير الدماء .. فالمناورات السياسية في البرلمان - أفيون الشعوب - التي بها الأمة خدرت .. ولا أمل بالتغيير بها أبدًا .. وهي باختصار تمييع وتلون ومداهنة .. وربنا لا يرضى بهذا ولا يقبله ولا يوفقه, بل يتركه ينحدر دركة دركة حتى يقبع في متاهات الضلال .. وقد لا يخرج منها أبدًا .. ومن أهم العناصر أيضًا إضافة للقيادة والأجهزة: وجود جيل فاهم مستوعب قادرٍ على التميز بين الغث والسمين .. مستعد أن يضحي بكل شيء في سبيل نصرة هذا الدين .. ولا يفهم من كلامي أن تصرف كلمة جيل إلى الشباب فقط .. لا .. إنني أتحدث عن فترة زمنية بكل من يعيشها .. من الآباء والأمهات والشباب .. أتحدث عن كل من يعيش الفترة من الأجداد والأحفاد .. رجالًا ونساءً .. شبابًا وشابات .. فلا ننسى أن أول من استشهد في الله كانت سمية رضي الله عنها .. كما لا أنسى حين يتناسى الناس أن الأمهات هن أهم العوامل في إعداد الجيل .. فأمٌ كالخنساء لا يهزم جيلها أبدًا .. ولا شك عندي أن تلك الأم الفلسطينية التي قبلت ولدها ودفعته إلى القتال ليستشهد في سبيل الله هي بادرة نصر وعلامة صحة وعودة حميدة لجيل التغيير الذي ننشد.
إنني أعني الأمة الإسلامية .. كل الأمة .. بكل شعوبها في أفريقيا وأسيا .. من موريتانيا غربًا إلى اندونيسيا شرقًا .. هذا هو الجيل الواعي الفاهم الذي أتحدث عنه.
ولهذا يجب بل يتعين علينا أن نعرف خلف أي راية نسير .. وليس هكذا فقط .. بل نتعرف على من يحمل الراية ونرى حاله فنعرف علانيته ودينه وعبادته وتقواه وورعه ورغبته في الدنيا وزهده فيها وصفاته وسماته .. وليس هذا فقط أيضًا بل لا بدَّ أن نكون مدركين لأبعاد الصراع بين الحق والباطل منتبهين لموازين القوة والتحالفات الشرعية وفقه التحييد والمواجهة.