الصفحة 146 من 512

لقد تبين لنا أن إنسان العلم الحديث هو"ذلك المجهول"الذي لم يستطع العلم أن يسبر غوره، وأن يتعرف على حقيقته، وأن ينفذ إلى أعماقه، كما بين ذلك"ألكسيس كاريل"و"رينيه دوبو"، وغيرهما. لقد عرف العلم الجمادات أو المادة، وحللها واكتشف قوانينها، ولكنه عجز عن معرفة الإنسان، لأن الإنسان من التركيب والتعقيد بحيث لا يعرفه إلا من خلقه فسواه: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) .

ومادام العلم يجهل الإنسان، فلا يؤمل منه أن يحسن توجيهه وتربيته والتشريع له، بل بدا اليوم أن العلم ـ بعبارة أدق: تطبيقاته التكنولوجية ـ أصبح خطرا على فطرة الإنسان، وبيئة الإنسان.

و"إنسان الفلسفة"ليس أحسن حظا من إنسان العلم، والفلسفة رغم اهتمامها بالإنسان ـ منذ أنزلها"سقراط"من السماء إلى الأرض ووجه العقل الإنساني إلى محاولة اكتشاف ذاته: اعرف نفسك ـ لم تتفق على رأي في نظرتها إلى الإنسان: أهو روح أم مادة؟ جسم يفنى أم روح يبقى؟ عقل أم شهوة؟ ملاك أم شيطان؟ الأصل فيه الخير أم الشر؟ أهو إنسان كما نراه، أم ذئب مقنع؟ أو أناني أم غيري؟ أهو فردي أم جماعي؟ أهو ثابت أم متطور؟ أتجدي فيه التربية أم لا تجدي؟ أهو مختار أم مجبور؟

اختلفت الفلسفات في الإجابة عن هذه التساؤلات وتناقضت، فلا تستطيع أن تخرج منها بطائل، حتى قال شيخنا الدكتور عبد الحليم محمود ـ وهو أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين ـ قبل أن يكون شيخا للأزهر:"الفلسفة لا رأي لها، لأنها تقول الرأي وضده، والفكرة ونقيضها".

هنا نجد الفلسفة الإلهية مناقضة للفلسفة المادية، والفلسفة المثالية مناقضة للفلسفة الواقعية، وفلسفة الواجب معارضة لفلسفة المنفعة أو اللذة، إلى آخر ما نعرفه من تناقضات في الساحة الفلسفية، فهذا يثبت، وذاك ينفي، وهذا يبني، وذاك يهدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت