الصفحة 147 من 512

ومن هنا لا تستطيع الفلسفة وحدها أن تهدى الإنسان سبيلا أو تشفي له غليلا، أو تمنحه منهجا يركن له ويطمئن إليه، ويقيم حياته على أساسه.

وأبعد الفلسفات عن هداية الإنسان وإسعاده هي الفلسفات المادية، التي تنكر أن للكون إلها، وأن للإنسان روحا، وأن وراء الدنيا آخرة. وعلى رأس هذه الفلسفات: الفلسفة الماركسية القائمة على المادة الجدلية، والتي تتبنى مقولة بعض الفلاسفة الماديين: ليس صوابا أن الله خلق الإنسان، بل الصواب أن الإنسان هو الذي خلق الله !!

ومثل ذلك: الفلسفات العبثية والعدمية والشكية، فكلها فلسفات تهدم ولا تبني. وتميت ولا تحيى.

ويبين شيخنا الدكتور دراز الفرق بين: الفلسفة والدين، فيرى أن الفلسفة فكرة هادئة باردة، أما الدين فهو قوة دافعة، فعالة، خلاقة، لا يقف فيسبيلها شيء في الكون إلا استهانت به أو تبلغ هدفها.

ذلك هو فصل ما بين الفلسفة والدين، غاية الفلسفة المعرفة، وغاية الدين الإيمان، مطلب الفلسفة فكرة جافة، ترتسم في صورة جامدة، ومطلب الدين روح وثابة، وقوة محركة.

لا نقول كما يقول كثير من الناس: إن الفلسفة تخاطب العقول، وإن الدين في كل أوضاعه لا يقنع بعمل العقل قليلا أو كثيرا حتى يضم إليه ركون القلب.

الفلسفة تعمل إذا في جانب من جوانب النفس، والدين يستحوذ عليها في جملها. ومن هنا يستنبط فرق دقيق بين الفلسفة والدين:

ذلك أن غاية الفلسفة نظرية، حتى في قسمها العملي، وغاية الدين عملية، حتى في جانبه العلمي، فأقصى مطالب الفلسفة أن تعرفنا الحق والخير ما هما؟ وأين هما؟ ولا يعنيها بعد ذلك موقفنا من الحق الذي تعرفه، والخير الذي تحدده. أما الدين فيعرفنا الحق لا لنعرفه فحسب، بل لنؤمن به ونحبه ونمجده، ويعرفنا الواجب لنؤديه ونوفيه، ونكمل نفوسنا بتحقيقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت