الصفحة 148 من 512

ثم يبين شيخنا أن الدين حركة شعبية (ديمقراطية) عامة، والفلسفة حركة (أرستقراطية) خاصة. فالدين يسعى بطبيعته إلى الانتشار، والفلسفة تجنح إلى العزلة، داعية الدين وسط الجماهير، ورجل الفلسفة في برجه العاجي، فإذا رأيت فيلسوف يدعو إلى مذهبه فقد تغير وضعه، وتحولت فكرته إلى إيمان، وإذا رأيت مؤمنا لا يهتم إلا بنفسه فقد استحالت نار إيمانه إلى رماد.

تفنيد مقولة (الدين أفيون الشعب)

أما دعوى الماركسيين: أن الدين (أفيون الشعوب) يفعل في عقولها ما تفعله المخدرات بالأفراد، ويشغلهم عن حقوقهم المسلوبة، بأماني الآخرة، ويخضعهم لإرادة الظلمة والطغاة، فيطيعونهم وهم راضون ـ فهي دعوى مردودة ـ .

ذلك أن الدين الصحيح لا يخدر الشعب، ولا يلهيه عن المطالبة بحقه في الدنيا، استغراقا بطلب النعيم في الآخرة! الدين الصحيح لا يقر الظلم، ولا يرضى بالفساد والانحراف، فإن صح هذا الادعاء في شأن بعض الأديان، فلا يصح بحال في شأن الإسلام.

الإسلام في الحقيقة ثورة إنسانية كبرى، ثورة لتحرير الإنسان ـ كل إنسان ـ من العبودية والخضوع لغير خالقه. ثورة في عالم الفكر والضمير والشعور، وثورة في عالم الواقع والتطبيق.

وكان عنوان هذه الثورة هي هذه الكلمة العظيمة، كلمة التوحيد:"لا إله إلا الله"فكل مدع أو متعاط للألوهية في الأرض، بالقول أو بالفعل، هو مزور لا وجود له، ولا يستحق البقاء. وكل الذين زعموا لأنفسهم ـ أو زعم لهم بعض الناس ـ أنهم أرباب مع الله، أو من دون الله، يجب أن يسقطوا إلى الأبد، ويتواروا عن مسرح الحياة.

الناس إذن سواسية، لا يجوز أن يتعبد بعضهم بعضا، أو يطغى بعضهم على بعض، فإذا ظلم بعض الناس وطغى وأفسد، كان على الناس أن يعترضوا طريقه، ويأخذوا على يديه، وإلا كانوا شركاءه في الإثم واستحقاق العقوبة العادلة من الله .

يقول القرآن الكريم: (ولا تركنوا إلى الدين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت