الصفحة 60 من 512

... أما حين يصبح الولاء لـ"الأشياء"هو المحور وتدور"الأفكار والأشخاص"في فلك الأشياء، فإن الهيمنة في المجتمع تكون لأرباب المال والتجارات، وصانعي الشهوات، وتسود ثقافة الترف والاستهلاك، وتتمزق شبكة العلاقات الاجتماعية، وتصبح الأفكار والقيم بعض سلع التجارة ومواد الاستهلاك، تُزين بها اللافتات الدعائية وواجهات المحلات التجارية وصالونات الحلاقة وأسماء الشوارع، ويتوقف التفكير والفهم ويصابان بالشلل، وينشغل الناس بأشيائهم وحاجاتهم اليومية، ويعودون كالجاهلية؛ همة أحدهم لا تتعدى بطنه وفرجه، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا. وهنا يلفظ المجتمع أنفاسه ويموت، وتتقدم إحدى الجماعات البشرية الأخرى لتعلن نبأ الوفاة وتقوم بمراسيم الدفن؛ لهذا أشفق الرسول (صلى الله عليه وسلم) على الأمة الإسلامية من هذا المصير فقال:"فوالله ما الفقر أخشى عليكم. ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم. فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم" (صحيح سلم، كتاب الزهد،(شرح النووي) ، ج18، ص95).

والواقع، أن المجتمع الحضاري الكبير حين تموت الفكرة التي قامت على أساسها الحضارة فيه، تنبعث منه روائح الموت، وتجذب برابرة الشعوب كما تجذب جثة الثور الكبير صغار الوحوش لتنهش لحمه وتقطع أوصاله بعد أن كانت في حياته تمتلئ رعبًا من منظره.

والتطبيقات لهذا القانون كثيرة ووافرة في تاريخ المجتمع الإسلامي وتطوره. ففي عصر النبوة، كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يعمق الولاء لأفكار الرسالة، ويجعلها محور العلاقات الخاصة والعامة، وكانت"أشخاص"المؤمنين بالفكرة الإسلامية"وأشياؤهم"تدور في فلك الولاء لهذه"الفكرة"تطبيقًا لقوله تعالى: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم) [التوبة: 111] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت