الصفحة 79 من 512

أما روح الحضارة فهو مجموعة العقائد والمفاهيم والقيم والآداب والتقاليد التي تتجسد في سلوك الأفراد والجماعات وعلاقاتهم بعضهم ببعض، ونظرتهم إلى الدين والحياة، والكون والإنسان، والفرد والمجتمع. والحضارات الكبرى التي عرفها تاريخ البشرية تتفاوت فيما بينها في موقفها من المادية والروحية، فمنها مايغلب عليه الجانب المادي، ومنها ما يغلب عليه الجانب الروحي، ومنها ما يسوده التوازن بينهما.

والحضارة التي تسود عالمنا اليوم هي (الحضارة الغربية) وهي حضارة لها مزاياها التي لا تنكر، من ناحية احترام حرية الإنسان وخاصة داخل أوطانها، وإطلاق حوافزه وطاقاته، حتى استطاع أن يطوع (الطبيعة) لخدمته ويفجر الذرة لمصلحته، وأن يحلق في الهواء كالطير، ويغوص في البحر كالسمك، وينطلق في الأرض كالمارد . كما استطاع أن يصنع ذلك الجهاز العجيب الذي وفر للإنسان وقته وجهده الذهني، وهو (الحاسوب) أو الحاسب) و الحافظ (الكومبيوتر) ، وإنما فعل ذلك كله بفضل العلم الذي اكتشف قوانينه، وأحسن استخدامه وتطبيقاته (التكنولوجية) مع حسن إدارة وروعة تنظيم، وإحكام رقابة وتوجيه.

وبهذا ستطاع الفرد العادي أن يعيش في مستوى من الرفاهية يحسده عليه ملوك العصور السابقة، الذين لم يكونوا يجدون ما يقاومون به شدة الحر ولا قسوة البرد، كما يجده الإنسان الآن من أجهزة التكييف، وآلات التدفئة. وما تيسر له من الأدوات الأتوماتيكية التي تدار أو توقف بمجرد الضغط على زر صغير، فيضاء الظلام ، و يطهى الطعام، أو يسخن البارد، أو يبرد الحار أو يقرب البعيد، أو ينطق الحديد.

ورغم هذه الإنجازات المادية الضخمة، يقول الواقع: إن هذه الحضارة لم تهىء لأهلها السعادة المنشودة ، أو السكينة المرجوة، إنها جسم فيل له روح فأر!

أجل إن عيب الحضارة المعاصرة ما يتغلغل في أعماقها من (المادية النفعية) التي جعلتنا نقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت