فهرس الكتاب
"إننا لن نصيب أية فائدة من زيادة عدد الاختراعات الميكانيكية. وقد يكون من الأجدى أن لا نضفي مثل هذا القدر الكبير من الأهمية على اكتشافات الطبيعة والفلك والكيمياء. فحقيقة الأمر أن العلم الخالص لا يجلب لنا مطلقا ضررا مباشرا ولكن حينما يسيطر جماله الطاغي على عقولنا، ويستعبد أفكارنا في مملكة الجماد، فإنه يصبح خطرا. ومن ثم يجب أن يحول الإنسان اهتمامه إلى نفسه وإلى السبب في عجزه الخلقي والعقلي. إذ ما جدوى زيادة الراحة والفخامة والجمال والمنظر وأسباب تعقيد حضارتنا إذا كان ضعفنا يمنعنا من الاستعانة بها فيما يعود علينا بالنفع؟ حقا إنه لمما لا يستحق أي عناء أن نمضي في تجميل طريق حياة تعود علينا بالانحطاط الخلقي، وتؤدي إلى اختفاء أنبل عناصر الأجناس الطيبة"ويقول البروفسور (رينيه دوبوا في كتابه المترجم بعنوان(إنسانية الإنسان) : نحن ندعي أننا نعيش في عصر العلم. إلا أن الحقيقة هي أن الميدان العلمي كما يدار الآن، ليس فيه توازن يسمح للعلم بأن يكون ذا فائدة تذكر في إدارة أمور الإنسان. لقد جمعنا جسما هائلا من المعلومات حول المادة، وتقنية قوية لضبط واستغلال العالم الخارجي.. ومع ذلك لا يزال جهلنا واضحا بالآثار التي قد تنتج عن اللعب بمهاراتنا هذه. ونتصرف في غالب الأحيان وكأننا آخر جيل يعيش على هذه الأرض.
لقد اكتسبنا معلومات كثيرة عن آلية الجسم، وبعض المهارة في ضبط تفاعلاته وتصليح عيوبه، ولكن بالمقابل، نحن نكاد لا نعلم شيئا مطلقا عن الطرق التي يحول بها الإنسان قابلياته الموروثة ليهندس بها شخصيته الفردية، فبدون هذه المعلومات لن تفيد الاختراعات الحديثة- التقنية والاجتماعية- الأهداف الإنسانية.
إن الحياة الشاذة التي يعيشها عامة الناس الآن تخنق وتعطل التفاعلات الحيوية الضرورية لسلامة الإنسان العقلية، ونمو الإمكانات الإنسانية.