الصفحة 2 من 13

لما تتحدث الولايات المتحدة عن الحاجة إلى استراتيجية جديدة فهذا يعني أن القديمة إما أنها فشلت تماما أو أنها لم تعد كافية لمواجهة المستجدات على الساحة. أما القديمة فقد استندت بالدرجة الأساس إلى معيار القوة عبر التدخل العسكري العنيف الذي لم يأخذ بعين الاعتبار مصالح أي طرف آخر. ولتحقيق أهدافها اعتمدت على باكستان كقاعدة انطلاق في تدمير أفغانستان وضرب طالبان والقوى الجهادية فيها سواء كانت القاعدة أو أية قوة أخرى. وباعتبارها قوة غزو فقط، فمن الطبيعي أن تمارس أمريكا المراوغة والكذب، كعادتها، فيما يتعلق ببناء أفغانستان والقضاء على تجارة المخدرات فيها والتي نمت صادراتها أضعافا مضاعفة في ظل احتلالها العسكري للبلاد. وكعادتها أيضا جاءت بعملائها ونصبت منهم حكاما على البلاد وأفسحت المجال لأوكار الفساد والإفساد حتى تجري عملية النهب للثروات دون أن تجد من يحاسبها.

ولأن الاستناد إلى معيار القوة كان مصحوبا، كالعادة، بحزمة من القيم الوحشية التي تميز الأمريكيين وتهيمن على عقليتهم كالغرور والحقد والاستعلاء والرغبة في الانتقام فقد اعتقدوا أن بمقدورهم تحقيق أهدافهم في أفغانستان دون عناء كبير، بل أنهم نزلوا في أفغانستان، كما غيرها من البلدان، وهم محملين بثقافة الصيد والقتل العشوائي والتدمير والاستخفاف بالسكان والإثخان فيهم. وفي ضوئها هاجمت الولايات المتحدة أكثر من 500 هدف مدني كالمدارس والمساجد والأعراس ودور تحفيظ القرآن والقرى النائية في محاولة لإرهاب السكان وفك أي ارتباط بينهم وبين المقاتلين، فضلا عن أن جرائمهم الوحشية ارتكبت كما لو أنها عربون نقاهة في معالجة آثار الصدمة النفسية التي خلفتها هجمات 11 سبتمبر. وفي المحصلة بدت التصرفات الدموية للأمريكيين في أفغانستان أقرب إلى تلبية احتياجاتهم النفسية من قربها لأية احتياجات أمنية أو استراتيجية كما زعمت الولايات المتحدة بقيادة المحافظين.

لذا، فبعد سنوات من الحرب الظالمة عادت طالبان والقاعدة إلى الساحة كقوى متمرسة وأشد بأسا وخبرة وعدة وعتادا من ذي قبل، وتبعا لذلك لم يعد قتل قياداتهما ورموزهما أو اعتقالهم أهدافا استراتيجية لا للأمريكيين ولا للناتو ولا حتى للأمم المتحدة. ولا ريب أن هذا التوصيف، للوضع الراهن وفي هذه اللحظات بالضبط، يعني لكل مراقب أن الولايات المتحدة منيت بخسائر فادحة في أفغانستان لدرجة أن تصريحات القوى الجهادية بدت أكثر تفاؤلا وهي تتحدث عن تباشير النصر القادمة مقارنة بتشاؤم تصريحات الكثير من المصادر الغربية وهي تتحدث، بنوع من التسليم، عن انتصار طالبان أو على الأقل استحالة هزيمتها عسكريا. ولما يكون الأمر بهذه القتامة والخطورة فما هو المبرر لوجود قوات احتلال، في مكان ما، بلا أهداف قابلة للتحقيق ولو في حدها الأدنى؟ لا شيء يذكر.

هكذا تبدو الاستراتيجية القديمة، على فرض وجودها أصلا، قد ولت إلى غير رجعة. وبات الحديث عن لغة جديدة ضرورة يعكسها شبه الإجماع العالمي الذي أقرّ بفشل معيار القوة العسكرية، وحدها، في التعامل مع الملف الأفغاني بصورة مريعة ومخزية مقابل تقدم بارز للمشروع الجهادي، في المنطقة، على المستوى الميداني وعلى مستوى الأطروحة الجهادية ذاتها. وزيادة على ذلك؛ فالذين لفظوا طالبان والمجاهدين، من السكان، حين الغزو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت