هذا النموذج من الانتظام جعل من الاختراق الأمني عملية بالغة الصعوبة إن لم تكن مستحيلة في مستوى القيادات بالذات. وعليه فإن كل العروض الغربية التي استهدفت طالبان بالتفاوض، حقيقة أو مخادعة، اشترطت عليها قبل كل شيء"فك الارتباط"مع (أو) "عزل"القاعدة كمبادرة طوعية وجواز مرور يسمح لطالبان بالجلوس إلى مائدة المفاوضات! ومن المثير حقا أن هذا المطلب ذو نكهة راندية في الصميم. فقد سبق لمؤسسة راند أن لاحظت فروقا جوهرية في عقائد الجماعات الجهادية ومناهجها وأهدافها في العراق مكنت القوات الأمريكية من اختراقها بسهولة، فالتيار السلفي الجهادي على النقيض من تيارات الإسلام الوطني بحيث يسهل فك الارتباط بينهما. ويبدو أن راند تحاول اختبار النتيجة نفسها على الساحة الأفغانية بالاستناد إلى الاختلاف المذهبي بين طالبان والقاعدة. وفي المحصلة فإن"فك لارتباط"سيؤدي إلى"عزل"القاعدة في مرحلة أولى ورفع الغطاء عنها تمهيدا لمقاتلتها في مرحلة ثانية أو حتى تسليمها إلى القوى المعادية.
إذن للمطالب الغربية فيما يتعلق بفك الارتباط مبرراتها القوية. فالقاعدة وطالبان يتقاسمان مسؤولية إدارة المشروع الجهادي في المنطقة، ويدركان أن استمرارهما يستدعي بناء قاعدة آمنة غير قابلة للانقلاب عليهما أو السقوط ثانية بيد القوى المعادية كما حصل في أعقاب هجمات 11 سبتمبر حيث تعرضت القاعدة على وجه الخصوص لما يشبه الإبادة فضلا عن مطاردة ما تبقى من مقاتليها.
لكن هذه المطالب تبقى حتى اللحظة أقرب إلى الأماني من أية حقيقة ممكنة. فمن جهة تتداخل طالبان والقاعدة على المستوى التنظيمي والعملي، فالخبرة الأمنية وطول التجربة وسعتها بالنسبة للقاعدة يجعلها، بنظر طالبان، أمينة في إدارة (أو الإشراف على) بعض المراكز الحساسة فيها. وهذا ما يجعل من فك الارتباط بين الجانبين، فيما لو حصل على سبيل الاحتمال، عملية صعبة جدا وبالغة الخطورة. كما أنه يشكل، في نفس الوقت، جرس إنذار مبكر للجانبين على وجود اختراق ما يمكن محاصرته بسرعة فائقة. ومن جهة أخرى فإن فعاليات المشروع الجهادي في المنطقة يمكِّن طالبان من الفوز بحصة الأسد لأكثر من سبب، وهو ما نلاحظه عبر كثافة البيانات العسكرية والسياسية.
لكن هذا لا يعني البتة تهميشا لدور القاعدة العسكري. إذ أن القاعدة تحملت من جهتها إدارة منظومة العلاقات الاستراتيجية مع القبائل ومع القوى الجهادية في المنطقة وخاصة في المناطق القبلية الباكستانية وصولا إلى مدينة بيشاور الحدودية. ولا ريب أن هذه المنظومة شكلت في الواقع الدرع القوي والآمن الذي مكن من حماية ظهر طالبان وهي تمارس فعالياتها العسكرية باطمئنان وتضخم وسعة في الانتشار. وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أبي الليث الليبي الذي اغتيل على الحدود بين باكستان وطالبان (29/ 8/2008) وهو في مهمة تنسيق بين القاعدة وطالبان وزعيم طالبان الباكستانية بيعة الله مسحود حول الدور الجهادي الذي يمكن أن يلعبه في أفغانستان.