الصفحة 4 من 33

الوفاء بما أنشأه العقد الصحيح من آثار حقوقية بين العاقدين أمرًا واجبًا، بمقتضى القاعدة الأصولية أن الأمر التشريعي يفيد الوجوب ما لم تقم قرينة أو دليل آخر تصرفه عن الوجوب. والوفاء بالعقد يدخل فيه لزوم التقيد بمواعيد الوفاء، إذ كثيرًا ما يكون ميعاد الوفاء لا يقل أهمية عن أصل الوفاء.

ونتيجة ذلك أن تأخير الوفاء عن ميعاده دون رضا صاحب الحق يجعل العاقد المتخلف في مركز التقصير الذي يسبب حرمان صاحب الحق من التمتع بحقه والاستفادة المشروعة منه. وهذا الحرمان بلا مسوغ هو ضرر له يجعل المتسبب فيه مسئولًا.

-وقوله تعالى في وصف المؤمنين المفلحين (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) [1] .

-وقوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعمل) [2] .

وتفيد التفاسير أن الأمانات في هذين النصين وأمثالهما ليست مقصورة على الودائع ونحوها، مما يدخل في معنى الأمانة بالاصطلاح الفقهي في مقابل الأموال المضمونة على من هي في يده، بل جميع الأموال والحقوق الواجبة الأداء إلى الغير، مهما كانت صفتها الفقهية، حتى الأعمال المأجورة التي أصبحت واجبة ومستحقة للغير بعقد، كالنقل والتطبيب والتعليم وسائر الخدمات المأجورة، هي أمانة في عهدة من أصبحت واجبة عليه أن تؤدي بإحسان أي بأكمل وجه ممكن. فالأمانة هنا على معناها اللغوي والأخلاقي العام، فيدخل فيها الحقوق والأموال المضمونة وغير المضمونة والخدمات المأجورة، لأنها أصبحت حقوقًا مستحقة. والملتزمون بها مؤتمنون دينًا على حسن أدائها.

وإذا كانت آية النساء قد نزلت في سبب خاص هو إعادة مفتاح الكعبة الشريفة إلى عثمان بن طلحة الذي كان محفوظًا عنده، فإن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب (ر:"تفسير آيات الأحكام للجصاص وابن العربي والشيخ الحسيني سلطان") .

(1) سورة المؤمنون الآية 8

(2) سورة النساء الآية 58

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت