الصفحة 111 من 197

(اللهْوُ) سببها )) [1] ، ولأنَّ (اللهْوَ) غايةٌ تُبتغَى وهدفٌ يُرتَجى، وسيلتُه المالُ لا غير. والمالُ بطبيعتِه لا يُستحصَلُ من العدم، أو من ترْكِ العمل، ومنه (التجارة) .

فعلى سبيل التمثيل والتقريب - وللهِ المثلُ الأعلى - لو أنَّ أُناسًا غرَّتهم الدنيا بلهْوِها، وانقادوا لأهوائِها نتيجةَ نَهَمِهم الشيطانيِّ، أجمعوا على القيام برحلةٍ إلى مكانٍ يَضُمُّ حاناتٍ للخمر، وصالاتٍ للقمار والرِّهان، أو أنَّ فيه ألعابًا وعروضًا وتباريًا، تُبعِدُ الإنسانَ عن خُلُقِه ودينِه، أَتُراهم يُفكِّرون أصلًا بهذه الرحلةِ وهم خِلْوٌ من المال؟

إنَّ مثلَ هذه الرحلةِ التي جُعِلَ (اللهْوُ) - بصُوَرِه كافة - غايتَها ومُبتغاها لا تقومُ إلاَّ بالمال، وهو بدوره لا يأتي من قُعُودٍ واتِّكالٍ وعدم عمل. فـ (التجارةُ) وسيلةُ (اللهْو) ، و (اللهْوُ) غايةٌ لِمن ترك الحبْلَ على غاربِه. وهذا من دلالاتِ الاكتفاء بضمير أحدِ المتقدِّمَين، وعَودِه على واحدٍ منهما حصرًا. زيادةً على دلالةِ تقديم (التجارة) على (اللهْو) في أوَّلِ الآية التي تصُبُّ في ميدان هذه المعاني، وهي دلالاتٌ لا تتضِحُ بغير هذا النظمِ، وبغير هذه الجملةِ المُكتفِية، وبغير هذا الترتيب، واللهُ أعلمُ بمراده في كتابِه.

وسأكتفي بما مرَّ ذِكْرُه من صورٍ للجملةِ المكتفيةِ أو المقتصَرَة، فليستِ الغايةُ سَرْدَ كلِّ صُور الجملةِ المكتفِية في القرآن الكريم، أو ذِكْرَ إحصاءاتٍ رياضيةٍ تُدرَسُ لذاتِها، فهذا لم يكن غايةً يسعى البحثُ إلى تحقيقِها [2] ، فالنصُّ الفرْدُ في القرآن الكريم هو أصلٌ بذاتِه، وهو الغايةُ. ولا تكونُ العِبرةُ - فيه - بعدَدِ مرَّات ورودِ الصُورةِ المعنيةِ على الرغم من أهمية كثرةِ دورانِ الأسلوب اللغوي والنحوي في التعبير القرآني. كما أنَّ فكرةَ الجملةِ المكتفيةِ أو المقتَصَرَةِ قدِ اتضحت معالمُها، وهي إلى خدمةِ النصِّ القرآنيِّ وتحليلِ جملتِه أقربُ بكثيرٍ من القول بـ (الجملة المحذوف منها شيءٌ) ، أو (الحذف في الجملة القرآنية) ، وما يجُرُّه من قولٍ بالتقدير، وما يتفرَّعُ عنهما من تشعُّباتٍ وآراء متباينةٍ، واجتهاداتٍ متفاوتةٍ يجدُ القارئُ نفسَه - معها - تائِهًا حائرًا لم يجْنِ فائدةً، بل كلُّ ما يحصلُ عليه هو الإطلاعُ على التباري والكدِّ الذهنيِّ الذي كان عليه المعربون والمفسرون.

(1) البحر المحيط 266:8.

(2) باستثناء بعض المواضع التي ذكرتُ فيها إحصاءاتٍ رياضيةً بسبب موجبٍ لذلك. ينظر: الصحف (16) و (37 - 38) و (64 - 65) من هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت