ونتيجةً للقولِ بِهذا الضرْبِ من التلازمِ المعَبَّر عنه بـ (لابدَّ) ، وهي رؤيةٌ منطقيةٌ في أجزاءِ الجملةِ العربيةِ بشقَّيها: الاسميةِ والفعليةِ , اقتضَى الأمرُ أنْ تتألَّفَ الجملةُ الاسميةُ منهما من: (مبتدأ وخبر) ظاهرَين , وإلاَّ فالتقديرُ , وأنْ تتألفَ الجملةُ الفعليةُ منهما من: (فعْلٍ وفاعلٍ يليه) ظاهرَين , وإلاَّ فالتقديرُ أيضًا. وقد بانَ من عُرْفِ النحويين أنَّ الفعلَ لابدَّ له من فاعلٍ , وهذا تلازمٌ يقتضِي أنَّ الفاعلَ لا يجري عليه الحذفُ من الجملةِ الفعليةِ , فإنْ لم يكُنْ ظاهرًا فهو مستترٌ في الفعلِ نفسِه.
إنَّ وصْفَ الفاعلِ بأنه مستترٌ يُحافظُُ على قاعدةِ التلازُمِ المُوجَب , أو على لزومِ الذِّكْر أو التقديرِ هذه. لذا كانَ القولُ باستتارِ الفاعل مَنفَذًا وسبيلًا سَلَكه النحويُّون للخلاصِ من القولِ بحذفِه لأنه غيرُ مذكورٍ. فالقولُ بحذفِه يتعارضُ - تمامًا - مع قولِهم: (لابدَّ للفعلِ من فاعلٍ) .
وهذا التلازُمُ بين الفعلِ والفاعلِ غيرُ مُلزِمٍ في حقيقةِ الأمرِ عندَ النحويين القائلينَ به أصلًا. فبعضُهم يُجيزُ القولَ بـ (حذفِ الفعل) - على حدِّ قولِ السَّكاكيِّ في شأنِ تَرْكِ ذِكْرِ الفاعل - إذ يقولُ: (( أمّا الترْكُ فلا يتوجَّهُ إلى فاعلِه كما عُرِفَ في علْم النحو , وإنَّما يتوجَّهُ إلى نفسِ الفعلِ أو إلى غيرِ الفاعلِ ) ) [1] ، فكيف يكونُ الفعلُ والفاعلُ كالكلمةِ الواحدةِ , أو كيف يكونُ الفاعلُ كالجزءِ من الفعلِ، وأنَّه لابدَّ من ذكْرِهِما لفظًًا أو تقديرًا، ثم يُقالُ: إنَّ الفعلَ قد يُحذفُ ويُقدَّرُ، أمّا الفاعلُ فلا يُحذفُ أبدًا , بلْ يَستترُ لأنه جزءٌ من الفعل [2] ؟!
وقد صرَّح الكسائيُّ بِجوازِ (حذفِ الفاعل) - كما يرى هو - في نحوِ قولِه تعالى: [حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ] [ص/32] , وفي قولِ طفيل بن عون الغنوي [3] :
وكُمْتًا مُدمَّاةً كأنَّ مُتُونَها ... جَرَى فوقَها واسْتَشْعَرَتْ لَوْنَ مُذْهِبِ
فكلٌّ من الفعلَين (تَوَارَتْ) و (جَرَى) لا فاعلَ له. وفيما عُرِفَ عند النحويين بـ (باب التنازع) الذي رأى فيه الكسائيُّ أنَّ الفاعلَ يحذفُ في الفعلِ الأول فلا يجوزُ الإضمارُ فيه ثم إظهارُه في الثاني، فيكون مضمَرٌ ثمَّ المظهَرُ بعدَه , كما في: (قامَ وقعَدَ زيدٌ) , وقد تابعَه على هذا الرأيِ كلٌّ من ابنِ مضاء القرطبيِّ والسُّهَيليّ [4] .
(1) مفتاح العلوم 108.
(2) ينظر بالرؤية نفسها: الرد على النحاة 109.
(3) ينظر: ديوان طفيل الغنوي، تح: محمد عبد القادر أحمد 23. والكتاب127:1 (ط/ د. إميل) . وأساس البلاغة الزمخشري، قدَّم له د. محمود فهمي حجازي 494:1 (شعر) ، وروايةُ البيت فيه هي:
وِرادًا مُدَمَّاةً وكُمْتًا كأنَّما ... جَرَى فوقَها واسْتَشْعَرَتْ لَوْنَ مُذْهِبِ
(4) ينظر: الرد على النحاة 109. وشرح شذور الذهب، ابن هشام، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد166.