الصفحة 120 من 197

ومِما تجدرُ الإشارةُ إليه أنَّ فكرةَ مجيءِ الفاعلِ مستترًا قد أنكرَها كلٌّ من ابنِ مضاء القرطبيِّ [1] والدكتور طه حُسين الذي قال: (( هناك أُمنيتان أتمنَّاهُما مخلصًا , الأُولى أنْ يُريحَنا المجمَعُ من الضمائرِ المستترةِ التي لا معنى لها مُطلقًا , وأنْ يُريحَ المتعلِّمين من الضميرِ المستترِ وتقديره(كذا) . كلُّ هذا كلامٌ لا معنى له. الثانية: أنْ يُعادَ درسُ النحوِ بالقياس إلى القرآنِ الكريم )) [2] . كما أنكرها الدكتور ابراهيم السامرائي، ولاسيَّما في صِيغة التعجُّب (ما أفعل فلانًا) [3] .

مِما مرَّ يتضِّحُ لنا أنَّ شيئًا من الاضطرابِ قدِ اكتنفَ قولَ النحويين بـ (وجوبِ تلازُمِ) الفعْلِ والفاعل وأنه لا فعلَ بلا فاعلٍ. وهو أمرٌ دفعهم إلى التزامِ القولِ بالاستتارِ. والاستتارُ في حقيقتِه رؤيةٌ تنحو بالتركيبِ النحويِّ للجملةِ منحًى حِسِّيًّا هو أقربُ إلى النظرةِ الحركيةِ لأجزائِها منه إلى رُوحِ التعبير اللغويِّ المقصودِ المعبِّر.

وبسببٍ من القولِ بِهذا التلازمِ المُوجَبِ بين الفعلِ والفاعلِ , وأنه لابدَّ للفعلِ من فاعلٍ يرفعُهُ، أطلقَ النحويون على الجملةِ ذاتِ الفعلِ الواردِ بصيغةِ (فُعِلَ) أو (يُفْعَلُ) اسمَ (الجملةِ ذاتِ الفعل المبنيِّ للمجهول) , أو (الجملةِ ذاتِ نائبِ الفاعل) , لأنه قد أُسندَ إلى الفعلِ فيها ما هو غيرُ مُختارٍ إحداثَ الفعلِ , نحو (كُسِرَ الإناءُ) .

إنَّ تسميةَ ما بعدَ الفعل بـ (نائب الفاعل) مكَّنَتِ النحويين القائلين به من الإبقاءِ على منطقيةِ ترتيبِ الجملةِ الفعلية المزعومِ , وتكوينِها من فعلٍ وفاعلٍ , أو من فعْلٍ ونائبٍ عن الفاعلِ , وهي تسمياتٌ تدلُّ بوضوحٍ على النحوِ بالتراكيبِ اللغويةِ منحًى عمليًّا (ميكانيكيًّا) خالصًا. فقولُهم: (الفاعلُ مستترٌ في فعلِه) يوحِي بأنَّ الفعلَ جسْمٌ له حيِّزٌ وجُرمُ، وأنَّ الفاعلَ جسمٌ لطيفٌ في هذه الصورةِ، أي: الاستتارِ، وقدِ اختفَى أو استترَ في ثنايا فعلِه، أو بعد الفعلِ، لأنَّ الفاعلَ لابدَّ أنْ يتلوَ فعلَه بعده تمامًا. وهو التزامُ ما لا يلزمُ، فالقولُ بوجوبِ ذكْرِ الفاعلِ، أو لزومِ تقديرِه - وهو مستتر - يُبعدُ جماليةَ الدلالةِ المستوحاةِ من تلك التراكيبِ المتشكِّلةِ بالجملةِ الفعليةِ الخاليةِ من الفاعلِ، أو المكتفِية بالفعلِ فقط، أو بالفعلِ ومفعولِه فقط، وبخاصَّةٍ في القرآنِ الكريم، فمن (( فرائدِ الاستعمالِ القرآنيِّ ورودُ الفعلِ غيرَ محتاجٍ إلى

(1) ينظر: الرد على النحاة 103 - 106.

(2) في الكتاب اللغوي المدرسي 78. عن: البحوث والمحاضرات التي أُلقيت في مؤتمر الدورة الثلاثين لمجمع اللغة العربية في القاهرة عام1964. وينظر: المشكلة اللغوية العربية، سمر رُوحي الفيصل53 - 70.

(3) ينظر: النحو العربي: نقد وبناء 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت