الصفحة 122 من 197

تلبُّسِ (الإنسان) بصفةٍ ملازمةٍ له، هي (الخَلْقُ) ، ولكن على هيأةٍ مخصوصةٍ وردت في كلٍّ من النصوصِ الكريمةِ الثلاثةِ، فمعقدُ الكلامِ والغايةُ في الاهتمامِ هو ذكْرُ (الضَّعف) المتَّصِفِ به (خَلْقُ الإنسان) في النصِّ الأوَّل، وذكْرُ (العَجَلة) المتَّصِفِ بها (خَلْقُ الإنسان) في النصِّ الثاني، وذكْرُ (الهَلَع) المتَّصِفِ به (خَلْقُ الإنسان) في النصِّ الثالث. فالإنسانُ متصِفٌ بـ (الخَلْقِ) المُشرَبِ بـ (الضَّعف) و (العجلة) ، و (الهَلَع) . وفي كونِه (مَخلوقًا) ، وأنه (ضعيفٌ) ، و (عَجِلٌ) ، و (هلُوعٌ) بيانٌ لوجوبِ تصاغرِه وخضوعِه، وامتثالِه، ورجائِه ربَّه، وتوكُّلِه عليه، وإيكالِ الأُمورِ إليه. وليس في أيٍّ من هذه النصوصِ فاعلٌ يُرادُ ذكرُه، فليس ذكرُ الفاعلِ بمعقدٍ للكلام، فهو ليس بِمرادٍ. لذا فالمسندُ إليه هذا الفعلُ على جهةِ التلبُّسِ والاتصاف هو الأهمُّ. ولِهذا أُسنِدَ إليه الفعلُ مجازًا. ولو كان الفاعلُ فيه مرادًا لذُكِرَ لأنه سيكونُ عندها مَحلَّ العنايةِ والاهتمام، ومقعدَ الكلام، كما في قولِه تعالى: [وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ] [البقرة/228] ، فذِكْرُ الفاعلِ مرادٌ لذا قال تعالى: [ ... مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ] . ولو لم يُرَدْ لغايةٍ مخصوصةٍ لقيلَ: (خُلِقَ في أرحامهِنَّ) ، فبِما أنَّ أمرَ (كتمانِ ما في الرَّحم) قد يُراودُ بعضَ المطلَّقات، جاء الحكمُ الإلهيُّ: [لاَ يَحِلُّ لَهُنَّ] ناهيًا ورادعًا لهذا الأمر، ومذكِّرًا بأنَّ (خالق ما في الرحم) هو (اللهُ تعالى) ، ولا مناصَ من ظهور ما خلقَ اللهُ. فذِكْرُ الفاعلِ - هنا - مرادٌ للتنبيه والتوجيه والردع. وكذلك كلُّ موضعٍ يتطلَّبُ ذكرُ الفاعل حقيقةً بعدَ الفعلِ (خلقَ) ، كقولِه تعالى: [خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأََرْضَ بِالْحَقِّ] [العنكبوت/44] ، وقولِه تعالى: [وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ] [الحجر/26] ، ردْعًا وتذكيرًا وتنبيهًا، واللهُ أعلمُ بِمراده.

وفي قولِه تعالى: [فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ] [المؤمنون/101] إشارةٌ إلى هَوْلِ الحدَثِ، وبيانِ أداتِه، وتصويرِ حالةِ الفزَعِ، وعدمِ الاتكالِ على الأنسابِ. والأهمُّ هو لفتُ النظرِ إلى حدَثِ (النفْخ) ، ووجَلِ القلبِ منه، وفزعِ الروحِ من ذكرِ صورتِه، وإلى آلةِ النفخِ المروِّعةِ (الصُّور) . وهي صورةٌ يَذهَلُ بها الخلائقُ.

إنَّ بناءَ (فُعِلَ) لا يُرادُ به سِوى لفْتِ النظرِ إلى الحَدَثِ، دونَما إشارةٍ إلى المُحْدِث - إنْ كانَ مِما يَرِدُ على بناء (فَعَلَ) - وبه قال الأصوليون، فقد ذهبوا إلى أنَّ (( جملةَ(جُلِسَ في الغرفةِ) - مثلا -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت