وأما الفصلُ الثالثُ فقد جعلتُه (في التقدير) الذي يُعدُّ وليدَ القول بالحذف، ونتيجةً له، مبيِّنًا أنَّ دلالتَه اللغويةَ التي ذكرها علماءُ اللغة، ودلالتَه الاصطلاحيةَ التي لم يُشِرْ إليها أحدٌ، بل استنتجتُها في ضوءِ منهجِهم في التقدير- هي أساسُ فقراتِ هذا الفصل. كما نبَّهتُ على أنَّ (التقديرَ) لا يُمكنُ الركونُ إليه - تحت أيِّ مسوِّغٍ كان - بل لا ينبغي تقبُّلُه، لأنه يزيدُ في الكلام ما ليس فيه، ويعدلُ بدلالتِه إلى غير جهتِها، وهو غيرُ متواترٍ، بل لقد اختلف العلماء في كيفيتِه.
ومِما أقمتُ عليه هذا الفصلَ - مِما هو من لوازمِه - تلكَ العللُ التي احتجَّ بِها المقدِّرون لتسويغِ منهجِهم في التقدير. فقد ذكرتُها بالعرض، والتحليل، والنقد، والردِّ في ضوءِ النصوصِ والشواهدِ ودلالاتِها. وهي عللٌ تقومُ على ما وُضِعَ مِن ضوابطَ نحويةٍ جاءت من استقراءٍ ناقصٍ لِمصادرِ اللغةِ والنحو، بعيدةٍ عن سمْتِ اللغة ومرونةِ طُرُقِ التعبير فيها، وعلى ما وُضِعَ من ضوابطَ معنويةٍ، وأحكامٍ شرعيةٍ عقائديةٍ لا ينبغي الاحتجاجُ بِمثلِها.
ولم يفُتني بيانُ أثرِ اعتمادِ الشعر العربي - ولهذا البيانِ صلةٌ وثيقةٌ بموضوعِ الفصل - مصدرًا مقدَّمًا لاستخلاصِ ضوابطِ الدرسِ النحويِّ، على القرآنِ الكريم، وأثرِ خلْطِ المستويَين المتباينَين. الأمرُ الذي أدَّى ببعض المفسرين واللغويين إلى أنْ يعتمدَ النصَّ الشعريَّ دليلًا لتقدير ما زَعَم حذفَه من النصِّ القرآنيِّ. ولعلَّ في هذا الصنيعِ من التجاوزِ والجرأةِ على النصِّ القرآنيِّ ما لا يَخفَى، ولا يُسوَّغ.
وقد ختمتُ هذا الفصلَ بعرْضٍ لمنهجٍ آخرَ يقومُ على التقدير، وهو تأويلُ النصِّ، لا على أساسِ صرْفِ معناه الظاهرِ إلى معنى باطنٍ أخفى منه مغايرٍ لهذا المعنى الظاهر، بل تأويله على أساس زعْم صورةٍ (أصْلٍ) يتخيَّلُها المفسِّرُ أو اللغويُّ، ويدَّعِي أنَّ بعضَ النصوصِ القرآنيةِ إنَّما أصلُها (كذا ... ) ، أو (كان أصلُها كذا ... ) ثم صارت (كذا ... ) ، وهو منهجٌ تتجلَّى فيه جرأةٌ وتجاوزٌ لم يكن لِمن قال به من العلماء - على جلالةِ أقدارِهم - من حاجةٍ تُوجب إليه.
وأما الخاتِمةُ فقد عرضتُ فيها لأهمِّ النتائجِ التي توصَّل إليها البحثُ، مِما يُضافُ إلى حصيلة نتائج الدراسات القرآنية، ليكونَ من المجموع ما يخدمُ هذا النصَّ المقدَّسَ، ولغتَه المقدَّسة.
لقد اعتمدتُ جملةً من المصادر والمراجع الخاصة بالتفسير، وعلوم القرآن، والتشريع، واللغة والنحو، والأدب، والبلاغة، أساسًا في إعداد هذا البحث، جعلتُ لها ثَبَتًا في نِهايتِه. وقد جهدتُ أيَّما جهدٍ في الحصول عليها من مظانِّها، تاركًا وراءَ ظهري تلكَ الصِّعابَ والمآسي التي أنتجتها الظروفُ الراهنةُ القاهرة.
وأودُّ أن أُشيرَ إلى أنَّ فصولَ البحث الثلاثةِ قد جاءت متداخلةً مترابطةً فيما بينها، فما كان للدراسةِ (في الحذف) اكتنف الحديثَ على (الاكتفاء والتقدير) ، وما كان للدراسةِ (في الاكتفاء) ضمَّ الحديثَ