الصفحة 174 من 197

14.إنَّ نسبةَ القولِ بتقدير متعلَّقٍ به للجارَِّ والمجرور، أو الظرف الواقعِ خبرًا، محذوفٍ وجوبًا - كما يُظنُّ - لأنه كونٌ مطلقٌ، إلى المدرسة البصرية متمثلةً بِمعينِ آرائِها (كتاب سيبويه) ، إنَّما هي نسبةٌ غير صحيحةٍ، وملفقةٌ. فالجارُّ والمجرورُ أوِ الظرفُ - عنده - بِمنزلةِ الاسمِ الواقعِ خبرًا عنِ المبتدأ. أي أَنه قائمٌ برأسِه، لا متعلِّقٌ بخبرٍ محذوفٍ مزعومٍ، لا حاجةَ للنظمِ والدَّلالةِ إليه.

15.إنَّ التقدير بحجةِ (اقتضاءِ الشرع) لا يمكنُ الركونُ إليهٍ. فالقرآنُ الكريمُ هو أصلُ التشريعاتِ وأساسُها، وما فيه من نصوصٍ - لا من تقديراتٍ - هو الشرعُ نفسُه. فهذا التقديرُ يعدِلُ بدلالةِ النصِّ ويُغيِّرُها إلى جهةٍ أُخرى، ويقلبُ الأحكامَ ليجعلها - في طائفةٍ من النصوص - موجَّهةً لخالقِها وخالقِ مَنْ تجري عليهم.

16.لا يُمكنُ - بوجهٍ - حمْلُ بعضِ النصوصِ القرآنيةِ - بحجةِ التماثُلِ اللفظي - على نصوصٍ من الشعر العربيِّ. فالقرآنُ الكريمُ مستوى لغويٌّ خاصٌّ مستقلٌّ بنفسِه، وله ضوابطُه ومعطياتُه. والشعرُ مستوى آخرُ مستقلٌّ بنفسِه، وله معطياتُه. فكيف يرى هذا المقدِّرُ أنَّ ثَمةَ ربطًا يُذكر، أو يُطمأنُّ إليه، بين ورودِ كلمةٍ في نصٍّ شعريٍّ وتقديرِها في نصٍّ قرآنيٍّ لَم تَرِد فيه، حمْلًا على ذِكْرها في ذلك البيت، ولاسيَّما إذا كانت الأبياتُ المحمولُ عليها التقديرُ في النصِّ القرآنيِّ المدروس بِموجب القولِ بالحذف والتقدير مِما لا يُعرَف قائلُه، أو مِما اضطربت نسبتُه إلى قائلٍ محدَّد، أو مِما يتبادرُ إلى الذهنِ من مجرَّد سَماعِها أنَّها مصطنعةٌ وموضوعةٌ ولا تَمُتُّ إلى الشعرِ بأدنى صلةٍ سوى الوزن والقافية؟!!

إنَّ هذا الخلْطَ بين المستويَين اللغويَّين المتباينَين جعل من قواعدِ اللغةِ والنحوِ ما هو مضطربٌ متضاربٌ، فجاءت بعضُ الأقيسةِ متصادمةً متناقضةً، وذاتَ نتائجَ متباينةٍ. بل قد أدَّى هذا الاعتمادُ وهذا الخلطُ إلى دراسةِ النصِّ القرآنيِّ المقدَّسِ وتحليلِه بالنصِّ الشعري غير المقدَّس.

17.إنَّ تناولَ النصِّ القرآني - تحليلًا - بطريقِ التأويل الذي يقتضي إرجاعَ ظاهرِ النصِّ القرآنيِّ إلى صورةٍ لفظيةٍ يُزعَمُ فيها كلماتٌ، أو جملٌ لا وجودَ لَها في هذا النصِّ، وبِمنهجٍ عُرِف عند القدماءِ فانتهجه مَن جاء بعدَهم حتى سار عليه - تقليدًا - بعضُ المحدَثين، بطريقةٍ عبارتُها: (وأصلُ الكلامِ كذا ... ) ، أو (وكان أصلُ النصِّ كذا ... ) ، أو (الأصلُ كذا ... ) . وهو تناولٌ لا يختلفُ عنِ التأويلِ الذي يُرادُ به صرْفُ النصِّ عن معناهُ الظاهرِ إلى معنًى آخرَ أخفى منه، أو تحليلُ النصِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت