ب- في الاصطلاح:
والقصدُ هنا في الاصطلاح النحويِّ، وهو: ترْكُ ذكْرِ شيءٍ من الكلام، أو هو عبارةٌ عن إسقاطِ كلمةٍ [1] ، أو عدمِ الإتيانِ بجزءٍ أو أجزاء من الكلامِ [2] .
وتناولُه على أنه ترْكُ ذكرِ جزءٍ أو أجزاء من الكلامِ، والاكتفاءُ بالمذكورِ نصًّا، دونما حاجةٍ إلى زعْمِ ما لم يُذكر أو يُرَد في الكلام، أولى وأجدرُ من أنْ ينظرَ إليه على أنه إسقاطٌ لجزءٍ أو أجزاء من الكلام، يُشعِرُ بطرحها منه أو أنَّها كانت قبلُ ثم طُرِحت، مما يدفعُ إلى زعمها واختلاقها في النصِّ، وشتان ما بين هاتين الرؤيتَين لمفهومِ ما عُرِفَ بـ (الحذف) ، ففي تناولِه واستعمالِه بِمعنى (ترْكِ الذكرِ) - أي الاكتفاءِ بما هو قائمٌ في اللفظ - مزايا بلاغيةٌ فيها من الحُسن والروعةِِ ما يُؤتَى عليها فتُغيَّبُ وتُمحَى وتُمسَخُ إذا ما فُهِمَ ما عُرِفَ بـ (الحذف) على المعنى الآخر له، وهو الإسقاطُ وزعْمُ المُسقَطِ وتقديرُه.
وقد وصف عبدالقاهر الجرجاني ما عُرِفَ بـ (الحذف) ، أو ما أميلُ إلى عدِّه (اكتفاءً) أو (اقتصارًا) - أي: الاكتفاء والاقتصار بما ظهر وذُكر من الكلام واستجلاء معانيه وبلاغته وما بطن فيه في ضوءِ السياقِ وظروفِ المقال - وصفه بقولِه: إنه (( بابٌ دقيق المسلكِ، لطيفُ المأخذِ، عجيبُ الأمر، شبيهٌُ بالسحر، فإنك ترى به ترْكَ الذِّكْر أفصحَ من الذكر، والصَّمْتَ عن الإفادةِ أزيدَ للإفادةِ وتجِدُكَ أنطقَ ما تكونُ إذا لم تنطقْ، وأتمَّ ما تكونُ بيانًا إذا لمْ تُبِنْ ) ) [3] .
وعلى الرغمِ من عدم قبولي مصطلحَ (الحذف) ، وميلي - من بابِ استعمالِ المصطلحِ اللائقِ بالقرآنِ الكريم - إلى أنه اكتفاءٌ في الكلامِ ببعضٍ دون بعضٍ، واقتصارٌ على جزءٍ أو أجزاء اكتفاءً بِها وبدلالتِها [4] ، فإنَّ ما وصفه به عبد القاهر لَهو جديرٌ بالاحترام والالتزام، فإنَّ للاكتفاء شأنًا يبهرُ السامع، وأن ادِّعاء ما لا تستدعيه ظروف الكلام وزعْمَه لَهو تغييرٌ للكلامِ نفسِه، وعدولٌ به إلى غير
(1) ينظر: إعجاز القرآن، الباقلاني262:1.
(2) ينظر: الكتاب386:1 (ط/بولاق) . والحدود في النحو، الرماني، تح: د. مصطفى جواد ورفيقه40. والبحر المحيط، أبو حيان406:3. ومختصر المعاني، سعد الدين التفتازاني47.
(3) دلائل الإعجاز، تح: د. محمد التنجي121.
(4) سيأتي بيانُ ذلك بالتفصيل في الفصل الثاني من هذا البحث إن شاء الله.