جهته، وللمتكلم فيه من الحرية والمرونةِ ما ليس له في غيره، أي أَنَّ المتكلمَ يجدُ فيه من الشجاعةِ في الكلامِ ما لا يجدهُ في غيره، لذا عدَّه ابنُ جني - وهو ما يسميه حذفًا، والأليق أنه اكتفاء - من (باب شجاعةِ العربية) [1] ، وبيَّنَ أنه جارٍ في (( الجملةِ، والمفرد، والحرف، والحركة ) ) [2] ، وقد عدَّه السيوطيُّ من سنن العرب في كلامها [3] . فلغةُ العرب لغةُ إيجاز [4] .
وتجدُرُ الإشارةُ - هنا - إلى أنَّ (الإيجازَ) غيرُ ما عرف بـ (الحذف) - عند من يراه - فشرط الحذف - كما يقولُ من يراه - (( أنْ يكونَ في الحذف ثَمَّ مُقدَّرٌ، نحو: [وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ] [يوسف/82] بخلاف الإيجاز، فإنه عبارةٌ عن اللفظِ القليل الجامع للمعاني الجمَّةِ بنفسِه ) ) [5] .
والراجحُ - عندي- أنَّ مصطلحَ (الحذفِ) كما عُرِف عند النحويين، لا يتناسبُ مطلقًا مع القرآنِ الكريم، فالقرآنُ كلامُ الله تعالى الذي [لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ] [فصلت/42] ، وسيغبرُ [أَحْسَنَ الْحَدِيثِ] [الزمر/23] ، فهذا المصطلحُ (( يُشعِرُ بالطَّرْح ) ) [6] .
إنَّ القرآنَ الكريمَ أصلٌ بذاته، لا فرعٌ، والحذفُ -كما هو معروفٌ عند القائلين به - (( خلافُ الأصل ... فإذا دار الأمرُ بين الحذفِ وعدمِه كان الحملُ على عدمِه أولى، لأنَّ الأصلَ عدمُ التغيير ) ) [7] .
مما مرَّ يتضِحُ أنَّ النظرَ إلى القرآنِ الكريم على أنه لا حذفَ فيه - بل اكتفاءٌ بنظمٍ مقصود - بِمعنى الحذفِ الذي يُوحِي بطرح شيءٍ منه أو إسقاطِ حركةٍ أو حرفٍ أو كلمةٍ أو جملةٍ أو كلامٍٍِ منه،
(1) ينظر: الخصائص، تح: محمد علي النجار ورفيقيه360:2.
(2) الخصائص360:2.
(3) ينظر: المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تح: محمد أبو الفضل ابراهيم وآخرين331:1.
(4) ينظر: نحو وعي لغوي، د. مازن المبارك62. وفي النحو العربي: قواعد وتطبيق، د. مهدي المخزومي150.
(5) البرهان 102:3.
(6) نفسه 103:3.
(7) نفسه 104:3. وينظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد الحفيد القرطبي، تح: خالد العطار237:1. ورسائل المحقق الكركي، الشيخ علي بن الحسين الكركي، تح: الشيخ محمد الحسون327:3.