الصفحة 24 من 197

جهته، وللمتكلم فيه من الحرية والمرونةِ ما ليس له في غيره، أي أَنَّ المتكلمَ يجدُ فيه من الشجاعةِ في الكلامِ ما لا يجدهُ في غيره، لذا عدَّه ابنُ جني - وهو ما يسميه حذفًا، والأليق أنه اكتفاء - من (باب شجاعةِ العربية) [1] ، وبيَّنَ أنه جارٍ في (( الجملةِ، والمفرد، والحرف، والحركة ) ) [2] ، وقد عدَّه السيوطيُّ من سنن العرب في كلامها [3] . فلغةُ العرب لغةُ إيجاز [4] .

وتجدُرُ الإشارةُ - هنا - إلى أنَّ (الإيجازَ) غيرُ ما عرف بـ (الحذف) - عند من يراه - فشرط الحذف - كما يقولُ من يراه - (( أنْ يكونَ في الحذف ثَمَّ مُقدَّرٌ، نحو: [وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ] [يوسف/82] بخلاف الإيجاز، فإنه عبارةٌ عن اللفظِ القليل الجامع للمعاني الجمَّةِ بنفسِه ) ) [5] .

والراجحُ - عندي- أنَّ مصطلحَ (الحذفِ) كما عُرِف عند النحويين، لا يتناسبُ مطلقًا مع القرآنِ الكريم، فالقرآنُ كلامُ الله تعالى الذي [لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ] [فصلت/42] ، وسيغبرُ [أَحْسَنَ الْحَدِيثِ] [الزمر/23] ، فهذا المصطلحُ (( يُشعِرُ بالطَّرْح ) ) [6] .

إنَّ القرآنَ الكريمَ أصلٌ بذاته، لا فرعٌ، والحذفُ -كما هو معروفٌ عند القائلين به - (( خلافُ الأصل ... فإذا دار الأمرُ بين الحذفِ وعدمِه كان الحملُ على عدمِه أولى، لأنَّ الأصلَ عدمُ التغيير ) ) [7] .

مما مرَّ يتضِحُ أنَّ النظرَ إلى القرآنِ الكريم على أنه لا حذفَ فيه - بل اكتفاءٌ بنظمٍ مقصود - بِمعنى الحذفِ الذي يُوحِي بطرح شيءٍ منه أو إسقاطِ حركةٍ أو حرفٍ أو كلمةٍ أو جملةٍ أو كلامٍٍِ منه،

(1) ينظر: الخصائص، تح: محمد علي النجار ورفيقيه360:2.

(2) الخصائص360:2.

(3) ينظر: المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تح: محمد أبو الفضل ابراهيم وآخرين331:1.

(4) ينظر: نحو وعي لغوي، د. مازن المبارك62. وفي النحو العربي: قواعد وتطبيق، د. مهدي المخزومي150.

(5) البرهان 102:3.

(6) نفسه 103:3.

(7) نفسه 104:3. وينظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد الحفيد القرطبي، تح: خالد العطار237:1. ورسائل المحقق الكركي، الشيخ علي بن الحسين الكركي، تح: الشيخ محمد الحسون327:3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت