أمرٌ يقطعُ بأنَّ ما في القرآنِ من تراكيبَ وجملٍ هي الأصلُ، ولا شيءَ غيرُها. أما النظرُ إليه على أن فيه حذفًا بالمعنى المارِّ فإنه أمرٌ يقطعُ بأنَّ ما في القرآن فرعٌ على أصلٍ يزعمُه من يقولُ بـ (الحذف) ، وهذا ما لا يتجشَّمُ حملَه من يُدرك جسَامةَ القول به.
وقد أورد السيوطيُّ فيما أثبته تحتَ باب (في معرفة إعراب القرآن) شروطًا عديدةً يجب توافرُها في من يتصدَّى لإعرابِ القرآن الكريم، يهمُّنا منها الشرطُ الثاني عشرَ، وهو: (( أنْ يتجنَّبَ إطلاقَ لفظِ الزائدِ في كتابِ الله تعالى، فإنَّ الزائدَ قد يُفهم منه أنه لا معنى له، وكتابُ الله منزَّهٌ عن ذلك، ولذا فرَّ بعضُهم إلى التعبير بدَلَه بالتأكيد والصلة ... ) ) [1] .
قال الشيخُ الزرقانيُّ: (( لكلِّ شيءٍ في القرآن سِرٌّ عجيبٌ لا يعلمُه إلاَّ الله تعالى، ففي رسمِ الألف في(مائة) و [عدمها في] (فِئة) سِرٌ، وفي زيادة (الياء) في (بأييد) و (بأييكم) سِرٌّ، وفي (سموات) و (سموت) سِرٌّ فكلُّ ذلك لأسرارٍ إلهيةٍ. ... وإنَّما خَفِيَت على الناس لأنَّها أسرارٌ باطنيةٌ لا تُدرَك إلا بالفتح الربانيِّ )) [2] .
فما اصطُلِحَ عليه بـ (الحذف) لا يختلفُ عمَّا اصطُلِحَ عليه بـ (الزيادة) ، فإذا كان مصطلحُ (الزيادة) غيرَ مقبولٍ، لأنه يُشعِرُ بأنَّ ما كان زائدًا فلا معنى له، كما نبَّه عليه السيوطيُّ، وبآيةِ ما أنَّ النحويين قدِ اختاروا اسمَ (اللغو) (( مصطلحًا للفظِ(الزائد) للتوكيد، دونَ غيره [من الأسماء] )) [3] ، ولا ريبَ في أنَّها تسميةٌ لا تليقُ بما في القرآنِ الكريم، لأنَّ (اللغوَ) هو (( السَّقْطُ وما لا يُعتدُّ به من كلامٍ، وغيرِه. ولا يُحصَلُ منه على فائدةٍ، ولا نفع ) ) [4] ، فإنَّ مصطلحَ (الحذف) غيرُ مقبولٍ أيضًا لأنه يُشعِرُ بأنَّ ما كان (محذوفًا) قد كان أصلًا ثم طُرِحَ أو أُزيل من النصِّ. ولا معدَى لنا بعد ذلك من التعبير بـ (الاكتفاء) أو (الاقتصار) بدلًا عن (الحذف) ، كما أن التعبير بالتأكيد والصلة كان أولى من التعبير بـ (الزيادة) ، كما ذكر السيوطيُّ.
(1) الإتقان 535:1. وينظر: مواهب الرحمن، السيد عبد الأعلى السبزواري38:11. والهادي فيما يحتاجه التفسير من المبادي، الشيخ هادي كاشف الغطاء196. والطبري النحوي من خلال تفسيره، د. زكي فهمي الآلوسي 140.
(2) مناهل العرفان في علوم القرآن376:1. وينظر: مباحث في علوم القرآن، د. صبحي الصالح276 - 277.
(3) النحويون والقرآن212.
(4) لسان العرب116:20 (لغو) .