الصفحة 26 من 197

لذا فالراجحُ أنه لا يُمكن - تحت أيِّ عنوان كان - أنْ يكونَ لنا شأنٌ - ونحن مخلوقون- أو تدخلٌ في الحكم على كلامه تعالى من جهةِ القولِ بحذفِ شيءٍ منه، أو أنَّ فيه زيادةً يمكن طرحُها مع بقاءِ المعنى سليمًا، أي: نُسيِّرُه نحن في ضوء ما وضعناه من نظرياتٍ وقواعدَ لغويةٍ ونحويةٍ، لا العكسِ، الأمرُ الذي أنتج القولَ بـ (محذوفاتٍ) فيه، نُقدِّرُها نحن ونزعمُ وجوبَ التزامِها، وأنه لا بدَّ منها، حتى وصل الأمرُ بأحدِ العلماء الذين ذكرهم السيوطيُّ، وهو الشيخ (عز الدين) إلى أنْ يقولَ - موازنًا بين نصِّ القرآن وما يرى هو أنه مَحذوفٌ منه: (( ومهما تردَّد المحذوفُ بين الحَسَنِ والأحسنِ، وجبَ تقديرُ الأحسنِ، لأنَّ اللهَ وصف كتابَه بأنه أحسنُ الحديثِ، فليكُنْ محذوفُه أحسنَ المحذوفاتِ، كما أنَّ ملفوظَه أحسنُ الملفوظات ) ) [1] .

والواقعُ أنَّ ما وقر في أذهانِنا هو أنَّ نظمَ القرآنِ الكريم وتراكيبَه وما ينضوي تحتها من معانٍ لَهو أحسنُ الحديث، وأنه لا نسبةَ تُذكَرُ بين كلام البشر من مُنظِّرين ومُقعِّدين ومفسِّرين، وبين كلامِه تعالى. فكلامُ الشيخ عز الدين ينطوي - كما يتراءى لي - على جرأةٍ كبيرةٍ على القرآن الكريم.

فكلامُه تعالى في القرآن هو كلامُه وحدَه، هكذا كان، وعلى ما كان وصل إلينا، وإذا كان في القرآن (حذفٌ) على المعنى المبيَّنِ ذكرُه آنفًا، أي: الطرحِ والإسقاطِ، فما الدليلُ القاطعُ عليه؟ ومن يستطيعُ أنْ يتحمَّلَ جريرةَ هذا القولِ؟ وهل للجملِ أو التراكيب في القرآن الكريم أصلٌ كان فيها - هي نفسها - ذِكْرٌ لحركةٍ أو حرفٍ أو كلمةٍ أو جملةٍ، ثم صار هذا الأصلُ إلى صورةٍ وتركيبٍ آخرَ جرى عليه حذفٌ - على وفق كتاباتِ النحويين والمفسرين، مما سيردُ منها نماذجُ في قابل صحف البحث - ثم وصل إلينا على الهيأة التي هو عليها الآن في المصحف؟!

ولو قيلَ: إنَّ الدليلَ عليه هو القرآنُ نفسُه، فإننا نجدُ لفظًا مذكورًا في موضعٍ وغيرَ مذكورٍ في موضعٍ آخرَ، والسياقُ واحدٌ، فيكونُ الموضعُ الذي ذُكرَ فيه هذا اللفظُ دليلًا على حذفِه من الموضعِ الذي لم يُذكر فيه.

قلتُ - متَّخِذًا سبيلَ طائفةٍ من أعلامِ السلف: إنَّ ذِكْرَه في موضعٍ وعدمَ ذكرِه في موضعٍ آخرَ مماثلٍ، والسياقُ واحدٌ، لا يدلُّ على إرادتِه أبدًا في الموضعِ الذي لم يُذكر فيه، فلا يصِحُّ القولُ

(1) الاتقان161:2. وقد أوردتُ كلامَه هذا - على الرغم من رفضي القول به - لبيانِ المدى الذي وصل إليه بعضُ العلماء في العربية بعامة والقرآن بخاصة من جهة التزام القول بالحذف والتقدير على نحوٍ ينطوي على جرأة واضحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت