بحذفِه في الموضعِ الذي لم يُذكر فيه، أي: لا يصِحُّ تقديرُه فيه تحتَ أيةِ ذريعةٍ كانت، ففي هذا القولِ تغييرٌ للدَّلالةِ وعدولٌ بِها.
من ذلك على سبيلِ المثالِ لا الحصر [1] ، قولُه تعالى: [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] [التوبة/100] . فقد ورد التعبيرُ بعد الفعل (تجري) بالظرف (تحت) وحدَه، في حينِ ورد هذا التعبيرُ بعد الفعلِ (تجري) مسبوقًا بحرفِ الخفض (مِنْ) في (34) أربعةٍ وثلاثينَ موضعًا في القرآن الكريم [2] ، منها قولُه تعالى: [وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهارُ] [البقرة/25] ، وقولُه تعالى: [قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهارُ] [آل عمران/15] ، وقولُه تعالى: [لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهارُ] [الفتح/5] ، وقولُه تعالى: [وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهارُ] [التغابن/9] . فهل يمكننا أنْ نجعلَ من قولِه تعالى: [تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهارُ] دليلًا على حذفِ حرف الخفض (مِنْ) وزعمِ تقديره في قولِه تعالى: [تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهارُ] على مذهبِ من قد يجعلُ من النصوصِ المتماثلةِ صورةً واحدةً لدلالةٍ واحدةٍ ومحدودة؟
(1) ينظر: الصحف (89 - 91) ، و (129 - 134) من هذا البحث.
(2) المواضع الثلاثون الأخرى، وهي سوى ما أوردتُه في المتن:
[البقرة/266] ، و [آل عمران/136و195و198] ، و [النساء/13و57و122] ، و [المائدة/12و85و119] و [التوبة/72و89] ، و [الرعد/35] ، و [ابراهيم/23] ، و [النحل/31] ، و [طه/76] ، و [الحج/14و23] و [الفرقان/10] ، و [العنكبوت/58] ، و [الزمر/20] ، و [محمد/12] ، و [الفتح/17] ، و [الحديد/12] و [المجادلة/22] ، و [الصف/12] ، و [الطلاق/11] ، و [التحريم/8] ، و [البروج/11] ، و [البينة/8] .