الصفحة 28 من 197

والجوابُ: لا، فلكلِّ موضعٍ دلالتُه المباينةُ لدلالةِ الموضعِ الآخرِ حسْبَ نظْمِه، وذلك لسببَين رئيسَين هما:

1 -في قولِه تعالى: [جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهارُ] استُعمل حرفُ الخفض (مِنْ) دالاًّ على (( ابتداءِ الغاية ) ) [1] ، والجناتُ - هنا - هي: (( جمعُ جنةٍ، والجنةُ: البستانُ. وإنَّما عنَى جلَّ ذكرُه بذِكر الجنةِ ما في الجنةِ من أشجارِها وثِمارِها وغروسِها دون أرضِها. فلذلكَ قال عزَّ ذكرُه: [تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهارُ] ) ) [2] ، ومعلومٌ أنه تعالى قد (( نسبَ الجرْيَ إلى النهر، وإنَّما يجري الماءُ وحدَه توسُّعًا وتجوُّزًا ) ) [3] .

إنَّ ما يُستخلصُ ويُدرَكُ من دلالةِ هذا النصِّ أنَّ مبادئَ جريانِ أنهارِ هذه الجناتِ إنَّما هو أصولُ أشجارِها وغروسِها، فكأنَّ هذه الأصولَ منابعُ لهذه الأنهارِ، ومصادرُ لمياهِها، ومدافعُ لتدفُّقِها وانسيابِها. فهذه الجناتُ التي وعدَها الله تعالى عبادَه الصالحين والمؤمنين والمتقين هي أصلُ السَّقْي، وهذا ما لم يألفه مخلوقٌ في جناتِ الأرض التي يأتيها سَقيُها من منابعِ ماءٍ خاصَّةٍ لها. فتلك هي التي تَسقِي وتُعطِي، وهذه هي التي تُسقَى وتُعطَى، وتلك - إذًا - لا يعتورُها أدنى أذًى، فهْيَ غضَّةٌ طريةٌ نضِرةٌ مثمرةٌ أبدًا، لأنَّها أصلُ الرَّي، وهذه عرضةٌ لليبس والتكسُّر والاحتراق، لأنَّها تحتاجُ أبدًا إلى الرَّي الذي قد لا يصلُ إليها في حينٍ، واللهُ أعلم بمراده.

أما قولُه تعالى: [جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهَارُ] فلا يُرادُ - واللهُ أعلم - بأشجار هذه الجنات، ولا بغروسِها أنَّها أصلُ السَّقْي، بل تكونُ أصولُ هذه الأشجار والغروسِ من مسالكِ هذه الأنهار، وهي أنهارٌ تنبعُ مياهُها من موضعٍ آخرَ، أو هي جاريةٌ من غير منبعٍ محدَّدٍ في غير أخاديد [4] تحت أُصول هذه الأشجار. فصورةُ جريانِ الأنهار - هنا - أكثرُ اتِّساعًا، وأبعدُ أطرافًا، واللهُ أعلم.

(1) البحر المحيط112:1.

(2) تفسير الطبري (جامع البيان عن وجوه تأويل آي القرآن) ، محمد بن جرير الطبري170:1.

(3) البحر المحيط113:1.

(4) ينظر: تفسير الطبري170:1. وزاد المسير في علم التفسير، عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي52:1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت