2 -إنَّ قولَه تعالى: [جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهارُ] لقومٍ غير مخصوصين، في حين أنَّ قولَه تعالى: [جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهارُ] لقومٍ مخصوصين. قال الخطيبُ الإسكافيُّ: (( فكلُّ موضعٍ ذُكِر فيه(من تحتها) إنَّما هو لقومٍ عامٍّ فيهمُ الأنبياءُ، والموضعُ الذي لم يُذكر فيه (مِن) إنَّما هو لقومٍ مخصوصين ليس فيهمُ الأنبياءُ )) [1] ، بل هم (( الذين سبقوا الناسَ أوَّلًا إلى الإيمانِ باللهِ ورسولِه(من المهاجرين) الذين هاجرُوا قومَهم وعشيرتَهم، وفارقُوا منازلَهم وأوطانَهم، (والأنصار) الذين نصروا رسولَ الله (صلى الله عليه وسلَّم) على أعدائِه من أهل الكفر بالله ورسولِه، (والذين اتَّبعوهم بإحسانٍ) ، ويقولُ: والذين سلكوا سبيلَهم في الإيمانِ باللهِ ورسولِه، والهجرةِ من دار الحربِ إلى دارِ الإسلام ... [مِمن] (رضيَ اللهُ عنهم ورضُوا عنه ) )) [2] . فهذه منازلُ خاصةٌ، وخصالٌ لهم وليست لغيرِهم، قدِ استحقُّوا بسببِها كرامةً خاصَّةً انمازوا بِها عمَّن سواهم من الصالحين، فكانت جناتُهم التي رزقُوا بِها أوسعَ جريانًا لأنهارِها، وأبعدَ أطرافًا لهذا الجريانِ، واللهُ أعلم. فلا (( موضعَ في القرآنِ ذُكرت فيه الجناتُ وجَرْيُ الأنهارِ تحتها إلاَّ وقد دخلتها(مِن) سوى الموضعِ الذي لم ينطبق ذْكْرُ الموعودين فيه على الأنبياء (عليهم السلام ) )) [3] . وغير ذلك من النصوص المتماثلةِ نظمًا، المتباينةِ دلالةً [4] .
ولابدَّ لي من التنويه - من باب العودِ على البدء - بأنَّ ثمة فرقًا جليًّا بين ما عُرِف بـ (الحذف) أو الإسقاط، وبين (عدم الذكر) ، أوضحه الدكتور فاضل السامرائي بقوله: (( لو جعلنا عدمَ الذكر حذفًا لكانت جُمَلُ العربية فيها حذفٌ بلا استثناءٍ، لأنَّ كلَّ جملةٍ يمكن أنْ تُذكَرَ فيها أمورٌ لا تُذكرُ في أخرى، ومعنى ذلك أنْ يكونَ الأصلُ الحذفَ، وليس الذكرَ ) ) [5] ، وقد ذكرتُ فيما مرَّ أنَّ ما يُسمَّى
(1) درة التنزيل 100.
(2) تفسير الطبري453:6.
(3) درة التنزيل103.
(4) ينظر: درة التنزيل. وأسرار التكرار في القرآن، محمود بن حمزة الكرماني، تح: عبد القادر أحمد عطا. ولمسات بيانية في نصوص من التنزيل. فقد شكلَّت الدراسة التحليلية لبيان الفرق الدلالي بين النصوص المتماثلة مادةَ هذه الكتب.
(5) الجملة العربية 106. وينظر بالرؤية نفسها: في النحو العربي: نقد وتوجيه، د. مهدي المخزومي223.