ومَيْزًا بين الحقيقةِ والمجاز قال ابنُ الأثير: (( الحقيقةُ ... هي اللفظُ الدالُّ على موضوعِه الأصليِّ. وأما المجازُ فهو ما أُريدَ به غيرُ المعنى الموضوع له في أصلِ اللغة ) ) [1] .
نخلُصُ مما مرَّ إلى أنَّ المجازَ هو استعمالُ اللفظِ في غير معناه الحقيقي، أو إضافةُ معنى آخرَ غيرِ حقيقيٍّ على اللفظِ بوساطة السياقِ الذي يرِدُ فيه ذلك اللفظُ. وهذا المعنى للمجازِ بعيدٌ تمامًا عمَّا يُرادُ بما يُعرَف بـ (الحذف) ، فأينَ الطرْحُ أو عدَمُ الذِّكْرِ من الذِّكْرِ بمعنى آخرَ غيرِ حقيقيٍّ للفظ [2] .
ففي قولِه تعالى: [وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ] [يوسف/82] - مثلًا- ذهَبَ الكثيرون إلى أنَّ في النصِّ الكريم محذوفًا، والتقديرُ - عندهم: (واسألْ أهْلَ القَرْيةِ) [3] ، بحجَّةِ أنَّ القريةَ لا تُسألُ، وعَدُّوا هذا الحذفَ والتقديرَ من المجاز.
والأرجحُ أنَّ في النصِّ الكريم مجازًا، ولكنه ليس بالمعنى الذي ذهبَ إليه هؤلاءِ المقدِّرون. فالمجازُ يمكن أنْ يكونَ في لفظِ الطلَب (واسألْ) ، في ضوءِ حدِّ المجاز المارِّ ذكرُه فيما سبق، وبُعْدِ (الحذف) - كما عُرِفَ - عن التفرُّعِ عنه، إذ لا يمكن - واللهُ أعلم - أنْ يرادَ - هنا - السؤالُ الحقيقيُّ الذي يستدعي جوابًا من المسؤول، أي: السؤالُ اللفظيُّ الذي يستدعي جوابًا لفظيًّا، فالمرادُ بالطلب (اسأل) - مجازًا، واللهُ أعلم - هو التحرِّي والاطلاعُ شخصيًّا من قِِبَلِ النبيِّ يعقوبَ (عليه السلامُ) - وهو الموجَّهُ إليه الطلبُ (اسأل) - على أحوالِ القريةِ التي أتى منها أبناؤُه، وأنَّها تموجُ بحركةٍ غير طبيعيةٍ بسببِ دأبِ أهلِها وهم يبحثون عن صُواع المَلِكِ الذي فُقِد أو سُرِق، حتى عُرِضَت جائزةٌ قيِّمةٌ - لمن يأتي به، بقولِ أصحابِ الشأنِ في البلاط: [نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ] [يوسف/72] - من المؤونة والطعامِ، وهي غايةُ كلِّ فرد في مصر - آنذاك - لشدَّةِ القحط وألمَِ الجدْبِ والفاقَةِ، حتى صارت هذه الجائزةُ باعثًا ومحفزًا كبيرًا للبحث عن هذا الصواعِ. فلما وُجِدَ في رحْل أخي النبيِّ يوسف (عليه السلامُ) وهو (بنيامين) حجزه النبيُّ يوسف (عليه السلامُ) عنده، وقال
(1) المثل السائر 74:1. وينظر: المزهر 281:1.
(2) ينظر في عدم عدِّ (الحذف) - عند بعض القائلين به- من المجاز: البرهان 103:3. والإتقان 124:3.
(3) ينظر: الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه، تح: د. عبد العال سالم مكرم 135:1. ومشكل إعراب القرآن 705:2. والأمالي الشجرية 1: 51 - 52. والجامع الصغير في النحو، ابن هشام، تح: محمود أحمد الهرميل 146 - 147. وتفسير القرطبي189:6. ولسان العرب327:6 (فرش) . والتبيان في تفسير غريب القرآن408:1. والحدود الأنيقة، زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري، تح: د. مازن المبارك79.