الصفحة 75 من 197

لإخوته: [ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بما عَلِمْنَا ... ] [يوسف/81] وهي وسيلةٌ - بمشيئةٍ إلهية - قرَّبَ بِها النبيُّ يوسف (عليه السلامُ) أخاه وأبلَغَ بِها - بصورة غير مباشرةٍ - أباه بوجودِه وعلُوِّ شأنه.

ولعلَّ أدلَّ دليلٍ على أنَّ هذا السؤالَ مجازيٌّ لا يُراد به جوابٌ ملفوظٌ كي يوجَّهَ إلى العُقلاء (أهل القرية) ، قولُهُم بعد ذلك للنبيِّ يعقوب (عليه السلامُ) : [وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا] [يوسف/82] إشارةً إلى قافلةِ الدَّوابِ التي تحملُ ما جاؤوا به، وأنَّهم كانوا في مصرَ عند من كُلِّفَ توزيعَ المؤَنِ، بدليل قولِه تعالى: [فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُون َ] [يوسف/70] . فلو كان المرادُ - واللهُ أعلم - (أهلَ العير) كما قيل: إنَّ المرادَ (أهلَ القرية) لما كان من الصواب أنْ يقولوا: (واسأل أهلَ العير) ، لأنَّ المتكلم الذي قال: (واسأل) هو مِمَّن أقبلَ في العِير. فلو كان السؤالُ مما يَطلُبُ جوابًا - كي يُقدَّر في النصِّ: (أهل) - لكان الأولى بهذا المتكلم إبانةَ الأمرِ لفظيًّا بنفسِه، لا أنْ يطلبَ من غيرِه تبيينَه أو الحديثَ عليه، فهو يعلمُ بِمُجريات الحدث ويعرفُها، والله أعلم.

قال ابنُ جني في مجازِ هذا النصِّ الكريم، ودلالتِه: (( والحقيقةُ ما أُقِرَّ في الاستعمال على أصلِ وضعِه في اللغة. والمجازُ: ما كان بضدِّ ذلك. وإنَّما يقع المجازُ ويُعدَل إليه عن الحقيقةِ لمعانٍ ثلاثةٍ وهي: الاتساعُ، والتوكيدُ، والتشبيهُ. فإنْ عَدِمَ هذه الأوصاف كانت الحقيقةُ البتة ... وقولُه سبحانه: [وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا] [يوسف/82] فيه المعاني الثلاثةُ، أما الاتساعُ فلأنه استعمَلَ لفظَ السؤال مع ما لا يصِحُّ في الحقيقةِ سؤالُه ... وأما التشبيهُ فلأنَّها شُبِّهت بِمن يصِحُّ سؤالُه لما كان بِها ومؤلِفًا لها، وأما التوكيدُ فلأنه في ظاهر اللفظِ إحالةٌ بالسؤال على مَن ليس من عادتِه الإجابةُ فكأنَّهم تضمَّنوا لأبيهم(عليه السلامُ) أنه إنْ سأل الجماداتِ والجبالَ أنبأته بصحَّةِ قولِهم. وهذا تناهٍ في تصحيح الخبر، أي: لو سألتَها لأنطقَها اللهُ بصدقِنا. فكيف لو سألتَ مَنْ مِنْ عادتِه الجوابُ )) [1] .

وقد ذهب السيد جعفرُ الحسينيُّ هذا المذهبَ حينَ قال: (( هذا التعبيرَ [أي: واسأل القرية] يُشيرُ إلى قوةِ الاحتجاج بتلك القريةِ، لكأنَّ القريةَ كلَّها ستُجِيبُ عن السؤالِ، وسيَتَحدَّثُ أهلُها وتشهَدُ بيوتُها

(1) الخصائص 2: 442 و447. وينظر: أسرار البلاغة، عبدالقاهر الجرجاني، تح: هـ. ريتر 367. والمزهر 336:1. والبلاغة والأسلوبية، د. محمد عبد المطلب البكاء 235 - 236.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت