ثم ازداد نشاطُ النحويين في دراسةِ الجملةِ، ولاسيَّما عند أبي علي الفارسيِّ الذي أشار إلى تأليف الجملِ من الكَلِمِ الثلاث (الاسم والفعل والحرف) [1] .
ومن الجدير بالذكر أنَّ دراسةَ الجملةِ [2] - التي بدأت وئيدةً ووسيلةً لا غايةً - قد حظِيت باهتمامٍ كبيرٍ على يد ابن هشام الأنصاري في كتابِه (مغني اللبيب) في جزئِه الثاني بخاصةٍ. فقد تناولها بصورةٍ مفصَّلةٍ من حيثُ أقسامُها ومحلها من الإعراب أو عدمُه، ومن حيثُ مجيؤُها بسيطةً أو مركبةً، ومن حيثُ ورودُ أجزائِها أو عدمُه، كما في مذهبِ النحويين [3] .
ومهما يكن من أمرٍ فإنَّ الطابعَ الذي انمازت به المصنفاتُ النحويةُ الأولى والمتأخرةُ في دراستِها للجملةِ أنَّ هذه الدراسةَ لم تُعْنَ - بشكلٍ عامٍّ - بالجملةِ إلاَّ في ضوءِ مَجيئِها في محلِّ المفردِ ودراستِها بطريقِ فكرةِ العملِ فقط، وما يعتوِرُ مكوِّناتِها وأركانَها من ضوابطَ تُمليها فكرةُ العمَلِ هذه. ولو أنَّ الحركةَ الإعرابيةَ وما يُوجبها في عرفِ النحويين تَظهرُ على آخرِ الجملةِ، كما تظهرُ على آخر المفردِ لأُوليَتِ الجملةُ بالدراسةِ عنايةً لا تقلُّ شأنًا عن دراسةِ المفرداتِ، وما يطرأُ على أواخرها من حركاتٍ تتغيَّرُ تبعًا لتغيُّرِ العوامل، على عِِلاَّتِ هذه الدراسة.
وفي شأنِ (الجملة) و (الكلام) تباينَ النحويون في نظرتِهم إلى كلٍّ منهما، فمنهم من ذهب إلى أنَّ الجملةَ تُرادفُ الكلامَ، إذ يُعبِّرُ كلٌّ منهما عن لفظٍ مستقلٍّ ذي فائدةٍ. فالجملةُ هي الكلامُ، والكلامُ هو الجملةُ. وهذا رأيٌ ذهبَ إليه معظمُ النحويين، ولاسيَّما المتقدمون منهم، مثل أبي عليٍّ الفارسيِّ إذ عقد في كتابِه (المسائل العسكريات) بابًا سمَّاه: (( باب ما ائتلف من هذه الألفاظِ الثلاثةِ كان كلامًا مستقلاًّ، وهو الذي يسميه أهلُ العربية الجملَ ) ) [4] .
وقدِ التزمَ ابنُ جني هذا الرأيَ فعدَّ (( الكلامَ: كلَّ لفظٍ مستقلٍّ بنفسِه، مفيدٍ لمعناه، وهو الذي يسمِّيه النحويون(الجمل) ، نحو: (زيدٌ أخوك) ، و (قام محمدٌ) ، و (ضُرِبَ سعيدٌ) ... و (صه) ، و (مه) و (رُويد) ، و (حاء) ، و (عاء) في الأصوات، و (حس) ، و (لب) ، و (أُف) ، و (أوه) . فكلُّ لفظٍ استقلَّ بنفسِه، وجُنيت ثمرةُ معناه فهو كلامٌ )) [5] .
(1) الإيضاح العضدي، تح: د. حسن شاذلي فرهود 9.
(2) ينظر في مراحل دراسة الجملة على سبيل المثال: المسائل العسكريات في النحو العربي، أبو علي الفارسي تح: د. علي جابر المنصوري 36 - 40. والجملة الوصفية في النحو العربي، د. شادن صلاح 11 - 27.
(3) ينظر: مغني اللبيب 2: 42 - 74.
(4) الصحيفة 83. وقصدُه بالألفاظ الثلاثة: الاسم والفعل والحرف.
(5) الخصائص 15:1.