وبه قال ابنُ يعيش، إذ أشار إلى (( أنَّ الكلامَ عند النحويين عبارةٌ عن لفظٍ مستقلٍّ بنفسِه مفيدٍ لِمعناه، ويسمَّى الجملة ) ) [1] .
فالجملةُ والكلامُ يلتقيان في أنَّ شرطَ كلٍّ منهما أنْ يكونَ مفيدًا، إلاَّ أنَّ ثمة فرقًا بينهما لم يُشِر إليه القدامى صراحةً، مثل ابن جني وغيره، لكنه يُستنبطُ من أقوالِهم كقول ابنِ جني المذكور آنفًا، وهو أنَّ (( كلَّ لفظٍ استقلَّ بنفسِه، وجُنِيت ثمرةُ معناه فهو كلام ) ). فهذا الفرقُ يتجلَّى في الإسنادِ، فما كان فيه إسنادٌ وهو مفيدٌ مستقلٌّ بنفسِه فهو جملةٌ، أو جملةٌ إسناديةٌ، وما لم يكن فيه إسنادٌ، وهو مفيدٌ مستقلٌّ بنفسِه، ولو قام على كلمةٍ واحدةٍ فهو كلامٌ، أو هو جملةٌ غير إسناديةٍ، فالجملةُ أو الجملةُ الإسناديةُ شيءٌ والكلامُ أو الجملةُ غيرُ الإسناديةِ شيءٌ آخر في ضوء هذا الفرق، إذ يفترقان في الإسناد وعدمِه، ويلتقيان في تحقق الفائدة من كلٍّ منهما. قال برجستراسر: (( أكثرُ الكلامِ جملٌ ... ومن الكلامِ ما ليس بجملةٍ، بل هو كلماتٌ مفردةٌ، أو تركيباتٌ وصفيةٌ، أو إضافيةٌ، أو عطفيةٌ غير إسناديةٍ. مثالُ ذلك: النداء، فإنَّ(يا حَسَنُ) ليس بجملةٍ، ولا قِسْمٍ من جملةٍ، وهو مع ذلك كلامٌ، ويُشبهُ الجملةَ في أنه مستقلٌّ بنفسِه، ولا يحتاجُ إلى غيره مظهَرًا كان أو مقدَّرًا )) [2] . ومن الكلام المفيد - على حدِّ توصيف برجستراسر- قولُنا: (بسم الله) ، و (صه) ، و (في الدار) جوابًا عن السؤال: (أين زيدٌ) ... وسواها مِما مرَّ ذِكْرُه، أو مِما سيأتي بيانُه بزيادة تفصيلٍ فيما يُستقبلُ من هذا البحثِ إنْ شاء الله.
ويُستخلَصُ مِما مرَّ أنَّ السامعَ متى ما أفاد من التعبير سواءٌ أكان قائمًا على جملةٍ كاملةٍ (إسناديةٍ) أم على كلامٍ مفيدٍ ليس بجملة - كما يرى برجستراسر- أو هو جملةٌ مُكتفِيةٌ مقتَصَرَةٌ - كما أراها وأسمِّيها مستعملًا مصطلحًا عرفه النحويون في مجالٍ محدَّدٍ، ولم يُريدُوا به، عمومًا، ما اعتمدتُه في دراستي هذه - قائمةٌ على كلمةٍ واحدةٍ، أو تعبيرٍ وتركيبٍ معيَّنٍ، فقد تحقق أنَّ هذا المسموعَ المفيدَ هو جملةٌ أو كلامٌ (جملةٌ مكتفيةٌ مقتَصَرةٌ) ، بصرفِ النظر عن التوجيهاتِ والالتزاماتِ المنطقيةِ المزعومةِ في أجزاءِ الجملة.
(1) شرح المفصل20:1. وينظر: في النحو العربي: نقد وتوجيه33. ومن أسرار اللغة، د. ابراهيم أنيس191. وعلم اللغة العام/ الأصوات، د. كمال محمد بشر251:2. والجملة الوصفية20.
(2) التطور النحوي125. وينظر بالرؤية نفسها: نحو القرآن25 - 26. وفي أصول النحو العربي، د. محمد عيد220.