23، فقوله تعالى (قَدّرْنا) بالتشديد حسب قراءة نافع والكسائي [1] . وذهب الفرّاء الى جواز القراءتين بالتشديد وعدمهِ [2] ، وقد تابعه على ذلك الطبري [3] (ت310هـ) فقد رأى أن (قَدَر) مناسب لقوله تعالى (فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) المرسلات 23، وتابعهم على ذلك الطبرسي (ت 548هـ) بقوله: (( إِنَّ قَدَرَ، وقَدَّر بمعنى، والتخفيفُ أليق بقوله:"فَنِعْمَ القادرون"، ومن شدّد أراد أن يجي باللغتين كما يقال: جادُ ومجد" [4] . والبناءان كلاهما يفيدان معنى قَفَيْنا، وكَتَبْنا [5] . فالوعيد ذاته مع تباين القراءة."
جـ- صَرّح سيبويه بمجيء (فَعَلَ) بمعنى اسْتَفْعَلَ [6] ، ومن استعمال هذه الصيغة في سياق الوعيد، ما ذكره تعالى من حال المنافقين، قال تعالى: (( مثلُهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما اضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ) )البقرة 17، فقد استعمل القرآن الكريم اسْتَوْقَد بمعنى أَوْقد، قال السيد السبزواري: (( استوقد، اي: أوقد؛ َ لأَنَّ الاستيقاد هو الإيقاد ) ) [7] فلم تكن (استوقد) بمعنى الطلب، اي طلب الإيقاد ثم اذهب الله النار، بل الإِيقاد كان حاصلًا ثم أتى امرُ الله عليهم ومن هذا المعنى ما جاء في الذكر الحكيم في تشبيه المجرمين والسخرية منهم، قوله تعالى: (( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ) )المدثر 50/ 51. فقد شبهوا بأنهم (حمر) وقد وصفت الحمر بأنها مستنفرة، وفي (مستنفره) قراءتان: أحداهما بكسر الفاء، والثانيةُ بفتحها [8] . (( فإذا كانت بالكسر اصبح المعنى نافرة يقال: نفرت واسْتَنفَرت بمعنى، وإذا كانت بالفتح مُنَفّرة، اي:
(1) يُنظر: السبعة في القراءات 666.
(2) يُنظر: معاني القرآن 3/ 223.
(3) ينظر: جامع البيان في تفسير القرآن 29/ 236.
(4) مجمع البيان في تفسير القرآن 10/ 416 و 3/ 153.
(5) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 10/ 37.
(6) ينظر: كتاب سيبويه 2/ 240 - 241.
(7) مواهب الرحمن في تفسير القرآن 1/ 115.
(8) ينظر: السبعة في القراءات 660.