وحين أُوِّل قولُ عمر بن الخطاب ليتوافق مع القاعدة، وحين نُقِضَ ما ورد من تحذير الغائب عاد الدكتور السامرائي ليصرّح بجواز ذلك التحذير، فقد قال: (( وظاهر أَنَّ الكثير والشائع في التحذير أَن يكون للمخاطب ويصحُّ أَن يكون للمتكلّم والغائب على قلّة ) ) [1] .
وقد يرد التحذير بإسلوب غير ما عُهِد بـ (إِياك) أو اشتقاقاتها، إذ تحذف هذه الألفاظ ويُؤتى بما يؤدي الدلالة ذاتها. قال سيبويه: (( وحذفوا الفعل من إِياك لكثرة استعمالهم إِيّاه في الكلام، فصار بدلًا من الفعل( ... ) ومثلُ ذلك: أَهلَك والليلَ كأَنّه قال: بادِرْ أَهلَك قبل الليل وإِنّما المعنى أَن يُحذِّره أَن يُدركه الليلُ، والليلُ محذَّرُ منه )) [2] . هذه الحالة الأُولى التي يُحذف فيها الفعل ويبقى المحذَّر منه. وقد ذكر سيبويه حالة اخرى بقوله: (( مما جُعِلَ بدلًا من اللفظ بالفعل قولُهم: الحذرَ الحذرَ، والنَّجاء النجاء، وضربًا ضربًا، فإنّما انتصب(هذا) على إلزمْ الحذر، وعليك النجاءَ، ولكنَّهم حذفوا؛ لأَنَّه صار بمنزلة اِفْعَلْ )) [3] . وهذا يعني أَنَّ الحالة الثانية التي يُحذف فيها الفعل تتطلب تكرار الاسم المنصوب.
وقد تابع أيو العباس المبرد (ت 285 هـ) سابقه فيما ذهب إليه مُسمّيا الحالتين اللتين يُحذف معهما الفعل، إذ قال: (( وقد يُحذف الفعل في التكرير(وفي العطف) وذلك قولك: رأسَك والحائط، ورأسك والسيف يافتى، وإنما حُذِفَ الفعل للإِطالة والتكرير، ودلَّ على الفعل المحذوف بما يُشاهد من الحال. ومن أَمثال العرب: رأَسَك والسيفَ ومن أَمثالهم: أَهلك والليل، وقد دلَّ هذا على أَنَّه يريد بادِرْ أهلك والليل، والأَوّلُ على أَنه نحِّ رأسَك من السيف. وتقديُره من الفعل: اتق رأسك والسيف، فلو أَفردت لم يجز حذف الفعل الا وعليه دليل، نحو: زيدًا، لو قلت ذلك لم يدر ما الفعلُ المحذوف )) [4] . مما ذهب اليه النحاة يتبيّن أَن فعل التحذير يُحذف في حالتين:
اولهما: إِذا كان المحذَّر منه مكررًا.
ثانيهما: إِذا عُطِفَ على المحذَّر منه محذَّر منه آخر.
(1) معاني النحو 2/ 528.
(2) كتاب سيبويه 1/ 273 - 274.
(3) المصدرُ نفسه 1/ 275 - 276.
(4) المقتضب 3/ 215 - 216.