الصفحة 136 من 301

وفي الحالتين كلتيهما يكون المحذَّر منه منصوبًا بفعل مضمر يُقدَّر معناه حسب السياق الوارد فيه [1]

لو تتبعنا القرآن الكريم نلاحظ أُسلوب التحذير لم يرد الا في موضع واحد، وفي هذا الموضع حُذِفَ الفعل ونُصِبَ المُحذَّر منه وعطف عليه محذَّرًا آخر.

قال تعالى: (( فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ) )الشمس 13. رأى العديد من العلماء أَن قوله: (ناقة) نُصِبَ على التحذير، ثم عطف عليه قوله: (( سقياها (( . الا أَن الفرّاء أعطى قوله:(ناقة) وجهًا آخر غير النصب، يتّضح لنا من قوله: (( نُصِبْت الناقةُ على التحذير، حذّرهم إِيّاها، وكلُّ تحذير فهو نصب، ولو رُفِعَ على ضمير هذه ناقةُ الله، فإِنَّ العربَ قد ترفعه، وفيه معنى التحذير، ألاَّ ترى أَنَّ العرب تقول: هذا العددُ فاهربوا، وفيه تحذير، وهذا الليل فارتحلوا، فلو قرأ قارئ بالرفع كان مصيبًا ) ) [2] . وقد تابع الفرّاء عددُ من المفسرين والنحاة إِذ عَدّوا قولَه تعالى: (( ناقةَ (( منصوبًا على التحذير، والتقديرُ: احذروا ناقة الله ولا تقتلوها، وقولُه:(سقياها) معطوفُ على ناقة، والتقدير: واحذروا سقياها [3] .

أَمّا الضربُ الثاني من التحذير الصريح فهو ما ورد في الذكر الحكيم من لفظة (حذر) واشتقاقاتها، وقد سبق بيان ما تعنيه هذه اللفظة [4] فهي في مجمل معانيها تفيد التخويف. والتخويف والتحذير لايتمُّ معناها الا بثلاث دعائم يُقاما عليها، وهي: المحذِّرُ، وهو فاعل التحذير، والمحذَّرُ وهو الذي يُوجّه اليه التحذير، والمُحذَّر منه، وهو موضع المخالفة الذي يجب ان يُتّقى. وقد رأى الفخر الرازي التحذير بمثابة الرسالة والرسالةُ لابَّد لها من أمور ثلاث حتى تؤدي غرضها، فقد قال: (( في الرسالة أُمور ثلاثة: المُرسِل،

(1) ينظر: شرح المفصل 1/ 29، شرح ابن عقيل 2/ 300.

(2) معاني القرآن 3/ 268 - 269.

(3) ينظر: اعراب ثلاثين سورة من القرآن: ابن خالوية، دار التربية للطباعة والنشر والتوزيع: 110، التبيان في تفسير القرآن 30/ 360، التبيان في غريب اعراب القرآن 2/ 517، الجامع لأحكام القرآن 20/ 78، البحر المحيط 7/ 481 - 482، تفسير القرآن العظيم لابن كثير القرشي، دار الجيل، بيروت، لبنان، ط1، 1988م: 4/ 518، روح المعاني 30/ 145، حاشية الخضري على ابن عقيل 87، الميزان 20/ 299، تفسير المراغي 30/ 171.

(4) ينظر صفحة ... من البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت