الصفحة 137 من 301

والرسول، والمرسل اليه )) [1] . وفي هذا الموضع من البحث دراسة لآيات الذكر الحكيم التي أفادت التحذير الصريح بلفظة حذر واشتقاقاتها والدعائم الثلاث التي يُقام عليها التحذير.

الله سبحانه يحذّر من نفسه

أمر الله سبحانه وتعالى عبادَه بالحذر منه، وقدَّم لذلك الأَمر بأَنَّ ما يخفيه العبدُ لايخفى عليه، وإِنما هو به عليم. قال تعالى: (( واعلموا أَنَّ الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه، واعلموا أَنَّ الله غفورُ حليم ) )البقرة/ 235. من كلام للزمخشري (ت 538هـ) على قوله تعالى: واعلموا أَنَّ الله يعلم مافي انفسكم (( قال الزمخشري: (( يعلمُ مافي أنفسكم من العزم على ما لايجوز ) ) [2] . لو تأملت قول الزمخشري يتبين لك أَنه أشار الى أنَ قوله تعالى: (( يعلم مافي انفسكم ) )مقدمة للأمر بالحذر، فلأنه يعلم ما في انفسكم عليكم أن تحذروه. اما القرطبي فقد رأى قوله تعالى: (( واعلموا أَنَّ الله يعلم مافي أنفسكم ) )التحذيرَ بعينه، فقد قال: (( هذه نهايةُ التحذير من الوقوع فيما يُنهى عنه ) ) [3] . ثم قال تعالى: (( فاحذروا ) )مما لايخفى عليك أَن هذا القول فعلُ أَمر، وللأمر دلالات عدّة. لنتأمّل معًا دلالة هذا الفعل (فاحذروه) من متابعة السياق الذي ورد فيه.

اختلف الأُصوليون كثيرًا في حقيقة المعنى الذي وضعتْ له صيغة الأَمر، قيل: إِنَّها للوجوب، والواجبُ ما يُستحقُّ العقابُ على تركهِ، أو ما ورد الوعيد على تركه [4] . والأَمر بالحذر في الآية المباركة قد سُبقَ بوعيد وتحذير. والوعيدُ والتحذير يترتبُ العقابُ على تركها، وهذا هو المعنى الذي نصَّ عليه الغزالي. وقد ذكر ابنُ المنَير أَنَّ قوله تعالى (( فاحذروه ) )مترتبُ على سابقهِ، فعندما ذكر تعالى إِخفاء النفس للعزم على ما لايجوز جاء التحذير من ذلك العزم )) [5] . وعلى هذا القول يعود الضمير المتصل (الهاء) بالفعل إِحذروا إلى القول المُضمر الذي فُسِّرَ بالعزم على ما لايجوز. لو تأمّلت البحر المحيط تجد أَبا

(1) التفسير الكبير 28/ 228.

(2) الكشاف 1/ 216.

(3) الجامع لأحكام القرآن 3/ 190.

(4) ينظر: المتحول من تعليقات الإصول، لأبي حامد محمد الغزالي، تحقيق: محمد حسين هيتو: 136 - 137، منهج الاصول: السيد محمد الصدر 5/ 75. (لم يُذكر في هذين المؤلفين محل الطبع) .

(5) الانتصاف طبع مع الكشاف 1/ 216.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت