الصفحة 138 من 301

حيان الأندلسي (ت 754هـ) جعل الهاء عائدةً إلى الله سبحانه وتعالى وذلك بقوله: (( الهاءُ، في قوله: فاحذروه، تعودُ الى الله تعالى، أَي: فاحذروا عقابه ) ) [1] . وحين جعل ابو حيان الهاء عائدة الى الله أَضمر قولًا آخر هو: (عقاب) ، أي: فاحذروا عقابَ الله، وعلى قول أبي حيان تلاحظ أَنَّ الله أَخبر مهددًا بأَنَّه يعلمً ما تخفيه الأَنفس من العزم وغيرهِ، والأَمر بالحذر ترتب على الإِخبار بأَن يحذروا ذلك العالم. وعلى هذا الرأي يكون المحذِّر والمحذِّر منه متساويين، فهما في الحالتين الله سبحانه، وأَمَّا حسب الرأي القائل إنَّ الهاء عائدة إلى القول المضمر يكون المحذِّر الله تعالى، والمحذِّر منه العزم. من هذا تتبيّن لك دلالة قوله: (( فاحذروه ) )إذ تدلُّ على التحذير والتخويف، وهذان المعنيان اكتسبهما الفعل من دلالته المعجمية مضافًا الى دلالة السياق التي أوحت بذلك.

وبعد أن امر الله تعالى بالحذر قال: (( واعلموا أَنَّ الله غفور حليم ) )قال البيضاوي (ت791 هـ) : (( إنّ قلت: المناسب أن يُقال: وإعلموا أَنَّ الله عزيزُ حليم ) )إِذ العزَّةُ والغلبةُ مناسبتان للحذر، قلت: المقصودُ عدم القناط، فإنَّه لما قيل: إِنَّ الله يعلم ما في أَنفسكم فاحذروه، يمكن أَن يحلَّ القنوط، اذ لايخلو أَحدُ من الخواطر الباطلة، ( ... ) ، ولما قيل: إن الله غفور حليم، حصل الرجاء بالعفو والمغفرة، ومنه قيل: فيه إِيذانُ بأَنَّ المَنْهي عنه مما يجب أَن يتجنب عنه )) [2] . وهذا يعني أَن القول انما جيء به بعد التحذير؛ لإفادة الترهيب والترغيب.

ومن تحذير الله لعباده من نفسه يطالعك قوله تعالى: (( لاَ يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ، قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) )ال عمران 28 - 30. من

(1) البحر المحيط 2/ 230.

(2) انوار التنزيل وأسرار التأويل، 1/ 248.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت