الواضح أَنّه تعالى أمر باتخاذ المؤمنين أولياء وتفضيلهم على الكافرين وذلك بقوله: (( من دون المؤمنين ) )، (( وقوله(دون) بمعنى غير، لأَنَّ لفظ دون مختصُّ بالمكان، تقول: زيدُ دون عمرو، أي: في مكان أسفل منه، ثم أَنَّ من كان مباينًا لغيرهِ في المكان فهو مغاير له. فَجُعِلَ لفظ دون مستعملًا في معنى غير )) [1] . وإذا حُمِلَ لفظُ (دون) على معناه الحقيقي في الآية الكريمة، أَي: الاختصاص بالمكان يكون المعنى موافقًا ايضًا، فإنَّ الله تعالى قال: (( من دون المؤمنين ) )أَي: مَنْ هم أَقلُّ مكانةً وأَدنى مرتبةً من المؤمنين. فالمؤمنُ بطبيعة الحال هو الأَعلى مكانة، ودونه ما سواه، واُتْبِعَ النهي بالتهديد والوعيد، وذلك بقوله تعالى: (( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ) )يقول سيد قطب: (( وهذا تهديدُ وتحذيرُ من نقمةِ الله وغضبهِ، وقد جاء التحذير في صورة عجيبة حقًا ) ) [2] . فَوَصَفَ سيد قطب التحذيرَ بالعجيب من غير تفصيل لوجه العجب. ولو تأمّلنا مواهب الرحمن نجد صاحبه الْمَحَ الى تفسير وجه العجب بقوله: (( وإنَّما أَتى عز وجل بلفظ عام، أَي: مَنْ، ولم يُشخِّصْ، وذكرَ لفظ يفعل ولم يذكر المؤمنين، للإِشارة إِلى أَنَّه أَمرُ قبيحُ، لذا كنّى عنها في الخطاب، كما يُكنّى عن القبائح ) ) [3] . فقوله: (من) فيه دلالة على شدة التحذير في الآية. وبعد هذا يذكر تعالى استثناءً لتلك الحالة بقوله: (( إلاَّ أن تتقوا منهم تقاة ) )وقد ذكر الزمخشري أَنَّ هذا القول يمكن أن يُفيد معنى حذر، لأن قوله: (( تتقوا منهم تقاة ) )يُفيدُ معنى تحذروا وتخافوا [4] . وبعد التحذيرات التي تُفْهم من السياق القرآني يُورد اللهُ تعالى تحذيرًا صريحًا، وذلك بقوله: (( ويحذّركم الله نفسه ) ). لقد تباينت أَقوال اللغويين والمفسرين في بيان المعنى الذي أَفاده هذا القول، يتّضح هذا التباين بعد أَن نطَّلع معًا على الاراء الآتية:
الرأي الأَول: قال الزجاج: (( يُحذركم اللهُ نفسه، أَي: عذابُ نفسهِ ) ) [5] . هذا القول يعني أَن يكون في الآية محذوفًا، والمحذوفُ مضاف أُقِيمَ المضافُ اليه مقامه. وكان من
(1) التفسير الكبير 8/ 13.
(2) في ظلال القرآن 3/ 172.
(3) مواهب الرحمن في تفسير القرآن 5/ 191.
(4) ينظر: الكشاف 1/ 345.
(5) اعراب القرآن 1/ 66، ينظر: إِعراب القرآن، للنحاس 1/ 320، تفسير القرآن العظيم 1/ 338.