فهرس الكتاب
الممكن أَن يذكر تعالى مفعولًا به، قد يكون (عقابه) بدلًا من القول (نفسه) على حذف مضاف، الا أَنَّ هذا القول (نفسه) مما لاشك فيه له دلالة أَفادها أكثر مما يُفيدُه عقابه. وقد فُسِّرت هذه الدلالة بآراء عدّة.
قال الشيخ الطوسي (ت 460 هـ) : (( نفسه، يعني: عذابه، وإِضافته إلى نفسهِ على وجه الاختصاص والتحقيق، كما لو حققه بصفة، بأنْ يقول: يحذركم الله المُجازِي لكم ) ) [1] . أَمَّا الفخرُ الرازي (ت 606هـ) فقد أَوضح تلك الدلالة بقوله: (( الفائدةُ في ذكر النفس أَنَّه تعالى لو قال: ويحذّركم الله، فهذا لا يُفيد، لأَنَّ، الذي أُريد التحذير منه هو عقابُ يصدرُ من الله، أو من غيرهِ، فلمّا ذكر النفس زال هذا الاشتباه، ومعلومُ أَنَّ العقاب الصادر عنه يكون أَعظم أَنواع العقاب؛ لكونه قادرًا على ما لانهاية له ) ) [2] . وقد تابع الآلوسي (ت 1270 هـ) سابقه على المعنى ذاتهِ في بيانه للدلالة التي أَفادها قوله تعالى: (نفسه) ، إذ قال: (( وفيه تحذيرُ عظيمُ، مُشْعِرُ بتناهي المنْهِي عنه في القبح، حيثُ عَلَّقَ التحذيرَ بنفسهِ، وإطلاقُ النفس عليه تعالى بالمعنى الذي أَراده جائز من غير مشاكلة على الصحيح، وقيل: النفسُ هي الذات ) ) [3] .
من قراءة النصوص السابقة يتضحُ التقارب بينها من حيث المعنى. المفسرون قرروا إِنَّما ذُكِرتْ النفسُ بعد التحذير؛ للدلالة على أَليم العذاب وشدتهِ. ولو تأمّلنا معًا ما قاله السيد عبد الأَعلى الموسوي السبزواري نجده ينأَى عن سابقيه إذ قال: (( إِنَّ من قدَّر، يحذركم الله عذاب نفسه، ظاهرُ الآية أَشدُّ تحذيرًا من التقدير؛ لأَنَّ الله سبحانه وتعالى أَكّد في آياتٍ أخرى عظيم عقابه ومما يتحرّز منه ) ) [4] . ولما انكر الدلالة التي رآها سابقوه لم تلحظ أنه صرّح بدلالة لقوله (نفسه) لإرادة جعل التحذير عامًا مطلقًا لم يفيد شيء.
(1) التبيان في تفسير القرآن 2/ 434.
(2) التفسير الكبير 8/ 13.
(3) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 3/ 126.
(4) مواهب الرحمن في تفسير القرآن 5/ 195.