فهرس الكتاب
الرأي الثاني: (( قال أبو اسحق: ويحذّركم اللهُ نفسه، أَي: يحذّرُكم الله إِياه، ثم استغنوا عن ذلك بذا، وصار المستعمل ) ) [1] . وقد جاءت النفسُ بدلًا من (إياه) فكلا اللفظين ذوا معنى واحد [2] . وإلى مثل هذا ذهب صاحب الميزان فقد قال: (( وليس في ذلك الا للدلالة على أَنَّ الله سبحانه وتعالى نفسه هو المخوّف، والواجبُ الاحتراز منه ) ) [3] . من هذا يتضح أَنَّ المفسرين عدّوا (نفسه) من ألفاظ التوكيد التي جيء بها لتؤكد الكلام، وتُضفي عليه صفة تأكيد التحذير من الله تعالى.
الرأي الثالث: (( إن النفس ها هنا تعودُ إِلى اتخاذ الأولياء من الكفّار، أي: ينهاهم الله من نفس هذا العمل ) ) [4] . وهذا يعني أن قوله: (نفسه) يعود الى التحذير الذي فهم من السياق الذي سبق التحذير الظاهري في قوله: (( ويحذركم الله ) ).
لو أَعدت النظر ثانية في الآراء الثلاثة تجد الله هو المحذِّر في الرأي الأول، والمحذَّر منه محذوف وهو العذاب، وفي الرأي الثاني قد تساوى المحذِّر والمحذَّر منه، ففي الحالتين كلتيهما هو الله تعالى، إذ يحذّر عباده منه، أَمّا الرأيُ الثالث فتجد المحذَّر منه تقدَّم على المحذِّر، ويمكن أَن يكون تقديم المحذَّر منه بيانًا لأهميته وعظم خطره، وفي الأحوال كلِّها المحذِّر هو الله والمحذَّرون المؤمنون. بعد أَن حذّر الله عباده هددهم بأن المنتهى اليه بقوله: (( وإِلى الله المصير ) ). قال صاحبُ المنار: (( وهذا القولُ تهديدُ عظيم يُشعر بتناهي المنهى عنه ) ) [5] . ويقرب من هذا قول السيد عبد الاعلى السبزواري فقد قال: (( هذا القولُ: وإلى الله المصير، تأكيد للتحذير؛ لأَنَّ من كان مصيرُه إلى الله تعالى لابدَّ له من التحرّر عن الوقوع في مخالفتهِ، والتحذير من سخطهِ وعقابهِ ) ) [6] . وما يزالُ التحذير
(1) نقلًا عن اعراب القرآن، للنحاس 1/ 320، ينظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن 3/ 230، لسان العرب 4/ 176.
(2) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 2/ 434، البرهان في تفسير القرآن: هاشم بن سليمان البحراني، افنساب، طهران: 2/ 265.
(3) الميزان في تفسير القرآن 3/ 151.
(4) التفسير الكبير 8/ 13.
(5) تفسير المنار: محمد رشيد رضا، إصدار دار المنار، مصر، ط4، 1373هـ/ 1954م: 3/ 282.
(6) مواهب الرحمن في تفسير القرآن 3/ 86.