فهرس الكتاب
مستمرًا متجددًا مع السياق القرآني حتى يصل قوله تعالى: (( أن تخفوا ما في صدوركم او تبدوه يعلمه الله ) )قال الزمخشري (ت 538 هـ) : (( وهذا القولُ بيانُ لـ(يحذّركم اللهُ نفسه) ، لأَنَّ نفسه ذاتهَ المميزة عن سائر الذوات، متصفةُ بعلمٍ ذاتي، لا يختصُّ بمعلوم دون معلوم ( ... ) فكان حقْها أَن تُحذَرَ وتُتُقى، فلا يجسِرُ أَحدُ على قبيح، لأَنَّ ذلك مطّلعُ عليه لا محالةَ )) [1] . وقد قَدَّرَ أحدُ المفسرين قولًا بعد قوله تعالى: (( أو تبدوه يعلمه الله، فاحذروا ) ) [2] ويبدو أَنَّ المفسرَ قَدَّر هذا الفعل حين رأى السياق القرآني يوصي لمثل هذا التقدير، فَعِلْمُ الله ما في نَفْسِ العبد يقتضي من العبد أن يكون حذرًا. وهذه التحذيرات المتتالية في سياق الآية المباركة قد خُتِمَتْ بقوله تعالى: (( والله على كل شيء قدير ) )، قال الفخر الرازي (ت 606 هـ) في هذا الجزء من الآية: (( إِتمامُ للتحذير؛ وذلك لأَنَّه لما بَيَّن أَنَّه تعالى عالم بكلِ المعلومات كان عالمًا لما في قلبه، وهذا تمام الوعد، والوعيد، والترغيب، والترهيب ) ) [3] . وفي سياق يرد التحذير صريحًا وأخرى يدلُّنا السياق عليه ويضعنا المفسر على موضعه نجد التحذير الصريح عاد مرةً أُخرى حاملًا معه دلالة جديدًا يضيفها الى المعاني السابقة. قال تعالى (( ويحذّركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ) )قال الرازي (ت 606هـ) : (( وتكرار يحذّركم الله نفسه، جاء لتأكيد الوعيد ) ) [4] . مما يلاحظ في الاية المباركة إِتصال الرأَفة بالتحذير، وقد علل الشيخ الطوسي (ت 460هـ) هذا بقوله: (( إِن من رأفةِ الله بعباده يحذّرهم نفسه ) ) [5] . أّمَّا الآلوسي (ت 1270 هـ) فقد رأى ما رآه سابقوه مضيفًا إليهم قوله (( يحذركم الله نفسه، تكرار لما سبق، وإِعادتُه له لا للتأكيد فقط بل لإفادة ما يفيده قوله: (( والله رؤوف بالعباد ) )، وإنَّ تحذيره تعالى من نفسهِ من رحمته الواسعة للعباد ( ... ) ، وإنَّ تحذيره سبحانه وتعالى ليس مبنيًا على تناسي صفة الرحمة بل هو متحققُ مع تحقيقها
(1) الكشاف 1/ 345.
(2) الاء الرحمن في تفسير القرآن: محمد جواد البلاغي، مطبعة العرفان، صيدا، 1933: 1/ 273.
(3) التفسير الكبير 8/ 13.
(4) المصدر نفسه 8/ 17.
(5) التبيان في تفسير القرآن 2/ 434، ينظر: تفسير القرآن العظيم 1/ 338.