الصفحة 143 من 301

ايضًا )) [1] . وقال السيد الطباطبائي: (( وفي الكلام أَشدُّ التهديد. ويزيد من اشتداده تكرارُه مرتين في مقام واحد، ويؤكدُه تذييلُه أَولًا بقوله: والى الله المصير، وفي الثاني: والله رؤوف بالعباد ) ) [2] . يتضحُ من الأقوال السابقة أَنَّ المفسرين أَجمعوا على أَنَّ التكرار أفاد التوكيد، وما دام التحذير ناتج من رأفة الله فتكرار يعني تكرار الرأفة والخوف، وهذه الطريقة تدل على الترهيب والتحذير. من الله تارة، والترغيب في رحمته تارة اخرى. الا أَنَّك لو أَنعمت النظر فيما قاله صاحبُ مواهب الرحمن تجد أَنَّه بدأ من حيث انتهى مضيفًا دلالة اليهم أُخرى، إذ قال: (( وإِعادةُ القول ثانيةً تأكيد جديد لأَهمية الموضوع، وبيان نهاية التحذير، ومن لطائف التعبير أَنَّه تعالى جمع بين الإنذار والتبشير، وأَمّا القول: (( والله رؤوف بالعباد ) )تأكيد التهديد والتخويف، فإنَّ مثل هذا التعبير إذا أُتى به في مقام التخويف والتحذير يكون لتثبيتِ، وإشعار المخاطب بأَنَّ المتكلِّم هو ناصحُ شفيق )) [3] . من هذا يتضح أَنَّ قوله تعالى: واللهُ رؤوف بالعباد جاء مؤكدًا لـ (يحذركم الله نفسه) ؛ وذلك لورودهِ في سياق التحذير، والوعيد. وبعد أن تبيّن ما رآه المفسرون في هذا الموضع فلنقترب معًا من البلاغيين لنتعرّف على رأَيهم في هذا التكرار.

رأى البلاغييون أَنَّ مثل هذا التكرار يُسمّى إِطنابًا ولم يرد في القرآن عفوًا أَو غفلةً، وإِنما أَفاد أَسرارًا بلاغيةً جليلةً [4] . قال الشريف الرضي: (( فان قال قائلُ: إِنَّه تعالى كرر قوله (( يحذّركم الله نفسه ) )في موضعين متقاربين من هذه السورة، فما الفائدة من ذلك؟ فالجوابُ: إِنَّ ذلك ليس بتكرار؛ لأَنَّ الذي عناه بالآية الأُولى غير الذي عناه بالآيةِ الأَخرى، لأَنَّ الأَولى: إِنَّما حذّرهم فيها عقابه على موالاة الكفّار، والثانيةً: إِنما حذَّرهم فيها ذلك على مواقعة المعاصي، فَحَسُنَ إعادة التحذير عند كلِّ منهي عنه؛ ليكون الخوف أعم والزجر أَبلغ، وليُعْلِمَ ايضًا أَنَّ المجرمين في العقاب على حد سواء، فيكون التناهي عن

(1) روح المعاني 3/ 126.

(2) الميزان في التفسير القرآن 3/ 151.

(3) مواهب الرحمن في تفسير القرآن 5/ 213.

(4) ينظر: حقائق التأويل في متشابه التنزيل، للشريف الرضي، شرح العلامة محمد رضا آل كاشف الغطاء، مطبعة الغري، النجف، 1355هـ، 1936م: 310 - 311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت