فهرس الكتاب
أَحدهما كالتناهي عن الآخر )) [1] . وعلى هذا القول لم يكن أَيُّ تكرار وإنما كان لكل تحذير دلالة خاصةُ به، ولو كان تكرارًا لحُملَ على قول الزركشي (ت 749هـ) حين قال: (( الكلامُ إذا تكرر تقرر ) ) [2] وهذا لم يخلُ من دلالة التفخيم والتأكيد [3] .
لو أَعدت النظر ثانيًا في الموضعين اللذين جاء فيهما الله هو المحذَّر منه تجد الأولى (البقرة 235) صُدِّرت بفعل الأَمر الدال على التهديد إذ قال تعالى: (اعلموا) ، قال ابن قتيبة: (( ومنه أن يأتي الكلامُ على لفظ الامر وهو تهديد ) ) [4] ثم يتكرر هذا الفعل بالصيغة ذاتها في الآية ذاتها. أما في الموضع الثاني (ال عمران/ 28) تجد النهي الذي أَفاد النصح والإرشاد تصدَّر الآية التي جاء فيها التحذيرُ. من هذا يتبيّنُ أَنَّ التحذير الصريح حين يكون اللهُ هو المُحَذَّر منه يردُ بإسلوب مليءٍ بالتهديدات والتحذيرات الضمنية التي تُفْهَمُ من السياق، وهذا إِنما يدلُّ على إِرادةِ التنبيه على عظم المحذَّر منه. مضافًا اليه شدّة التحذير. كما تبين لنا أَنَّ فعلَ التحذير في تلك المواضع لم يخرج من معناه المعجمي وهو التحرّز. فقد أمر الله سبحانه بالاحتراز من مواقعة المعاصي.
الله سبحانه يحذر نبيه
جاء هذا المعنى في موضعين من الذكر الحكيم فقد حذَّرَ الله فيهما نبيه (ص) تحذيرًا صريحًا أَولهما: قوله تعالى: (( وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ) )المائدة 49. قال ابو البقاء (ت 616هـ) في بيان المعنى الذي افادته (إن) : (( قيل: إِن بمعنى أي، وهو بعيدُ؛ لأَنَّ الواو تمنعُ من ذلك والمعنى لا يفيد
(1) المصدر نفسه: 82 - 83.
(2) البرهان في علوم القرآن 3/ 10.
(3) المجاز عند المفسرين حتى نهاية القرن السادس للهجرة، اطروحة دكتوراه، للباحث: نجم عبد مسلم هاشم الفحام، اشراف نصيرة احمد الشمري، كلية التربية / جامعة الكوفة: 260.
(4) تأويل مشكل القرآن: عبد الله بن مسلم بن قتيبة (213 - 276هـ) ، تحقيق: أَحمد صقر، دار إحياء الكتُب العربية، عيسى البابي الحلبي، مصر: 280.