فهرس الكتاب
القرطبي (ت671هـ) سابقه على هذا قائلًا: (( قولُه عن بعض ما انزل الله إليك ) )أَي: كلُّ ما أُنْزِلَ اليك، والبعضُ يُستعمل بمعنى الكل )) [1] . واسِتشهد على ذلك بقول الشاعر:
ترّاك أمكنة اذا لم ارضها ... أو يعتبط بعضَ النفوس حمامُها [2]
فقد ذكر الشاعر (بعض) وأَراد كل. وبقوله تعالى: (( ان يفتنوك عن بعض ما انزل الله اليك ) )تكتملُ دعائمُ التحذير التي يُشيدُ عليها فهذا القول هو المحذَّر منه الذي اضفى عليه عز وجل دلالات الشدة يوحي السياق، وقد تعرّفنا من قبلُ على المحذِّر وهو الله عز وجل، والمحذَّر هو النبي (( - صلى الله عليه وسلم -) وبانتهاء سياق التحذير، يأتي الوعيد للمخالفين، وهذه سنَّةُ القرآن الكريم في سياق التحذير، قال تعالى: (( فان تولوا فاعلم انما يريد الله ان يصيبهم ببعض ذنوبهم ) )، فجاء قوله: (فاعلم) لإفادة التهديد من إِصابتهم بالذنوب [3] . وفي سياق الوعيد ينبغي أَن يُذكر الذنب العظيم الذي يستحق الوعيد، الا أَنَّ الآية المباركة تقول: (( ببعض ذنوبهم ) )فقد ذُكِرَت إيهامًا لتعظيم التولّي [4] ويقرب من هذا ما ذهب اليه القرطبي بقوله: (( عَبَّرَ عن ذلك باصابتهم ببعض الذنوب؛ وذلك لأَنَّ المجازاة بالبعض كافيةً في التدبير عليهم ) ) [5] . فعلى هذين القولين تكون دلالة الوعيد الذي ترتبت على التحذير أَشدَّ قوَّةً، لأَنَّ العقابَ الذي سيُؤخذون به جزاءً على بعض الذنوب، فكيف إذا عُوقبوا بالذنوب كلها؟ فكما المحذر منه فيه دلالة الشدة جاء الوعيد يحمل الدلالة ذاتها.
أَما الموضع الثاني الذي حذَّر فيه الله سبحانه نبيه (ص) تحذيرًا صريحًا قوله تعالى: (( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ كَأَنَّهُمْ
(1) الجامع لأحكام القرآن 6/ 213.
(2) البيت للبيد بن ربيعة العامري، ينظر: شرح ديوان لبيد بن ربيعة العامري، تحقيق د. احسان عباس، طبع مطبعة حكومة الكويت: 313.
(3) ينظر: أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين، للذكتور قيس اسماعيل الأوسي، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، جامعة بغداد، بيت الحكمة، مطابع دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، 1989م:95.
(4) ينظر: الكشاف 1/ 498.
(5) الجامع لأحكام القرآن 6/ 214.