فهرس الكتاب
ثم القول والاستماع ثم يليه الوصف الذي خرج للذَّم، وذم آخر تمثّل بقوله: (( يحسبون كل صيحة عليهم ) ) [1] . هذا السياق يشدُّ الأَذهان ويُنبئ قارءهُ او سامعه أَنَّ هناك أَمرًا مهمًا يُراد الإِخبار عنه، وهذا الأَمر هو قوله تعالى: (( هم العدو فاحذرهم ) )وقد جعل القرطبي قوله: (( هم العدو ) )، مفعولًا ثانيًا لـ (يحسبون) ، واستدل على ذلك بأَن الكلامَ لا ضميرَ فيه يصفهم بالجبن أو الخور [2] . أمّا أبو حيان (ت 754 هـ) فقد ذهب إِلى غير ما ذهب اليه سابقه فقد قال: (( وتخريج ...(هم العدو) على أَنَّه مفعولُ ثانٍ لـ (يحسبون) تخريجُ متكلّف بعيدُ عن الفصاحة، بل المتبادرُ إلى الذهن السليم أَن يكون (هم العدو) إِخبارًا منه تعالى، وإن أَظهروا الإِسلامَ، والأَمُر بالحذر متسببُ عن إِخباره بأنهم العدو )) [3] . أمّا صاحب الفتوحات الإلهية فقد عدَّ قوله تعالى (( هم العدو فاحذروهم ) )جملة مستأنفة أَخبر الله بها، وذلك لأَنَّ الفاء التي اتصلت بفعل الأَمر جاءت لترتيب الحذر على كونهم أَعدى الأَعداء )) [4] . وهذا يقترب من قول أبي حيان عندما عدَّ (هم العدو) إِخبارًا من الله. بعد أَن تبيّن قوله تعالى: (هم العدو) هو سببُ الأَمر بالحذر لـ (( والأَمرُ بالحذر يدلُّ على أَنَّ الضمير في قوله (( هم العدو ) )للمنافقين )) [5] . تأمل قوله: (( هم العدو فأحذرهم ) )تجد الضميرَ مختصًا بالجمع، وقولُه (العدو) لفظُ يُفيد المفرد فكيف تطابق الجمع مع المفرد؟ أَجاب عن هذا الزمخشري (ت 538هـ) بقوله: (( منظورُ فيه إلى الخبر ) ) [6] ، وبما أَنَّ الخبر (فاحذرهم) مفردُ فقد توافق مع المبتدأ، فكلاهما مفردُ. وقد تابع الآلوسي (ت1270هـ) سابقه على هذا بقوله: (( أَتى بضمير العقلاء؛ لمراعاة معنى الخبر، أَعني العدو، بناءً على أَنَّه جمعُ ومفردُ وهو ها هنا جمع، ثم أَمر تعالى بالحذر؛ لأَنَّ التحذير منهم يقتضي وصفهم بالعداوة ) ) [7] . إذا أَعدت
(1) ينظر: الميزان في تفسير القرآن 19/ 280 - 281.
(2) ينظر: الجامع لاحكام القرآن 18/ 124.
(3) البحر المحيط 8/ 272.
(4) الفتوحات الإلهية 4/ 326.
(5) أنوار التنزيل وأَسرار التأويل 4/ 204.
(6) الكشاف 4/ 434.
(7) روح المعاني 28/ 112.