الصفحة 149 من 301

النظر في قوله تعالى (( هم العدو فاحذرهم ) )تجد ركنين من أَركان التحذير جاءا مضمرين يدلُّنا السياق عليهما، فالمحذِّرُ الله تعالى، ولم يصرّح بذاته الجليلة في الآية المباركة، والمحذَّر هو النبي (( - صلى الله عليه وسلم -) ، والسياق أَخبرنا بذلك، وأَما المحذَّر منه فقد أَوضحته الآية بقوله: (هم العدو) . وبهذا الآية تشترك مع سابقتها التي جاء فيها النبي (ص) محذَّرًا وهي المائدة /49. إذ أَن ركنين من اركان التحذير لم يُصرّح بهما فاكتفت الآيتان بذكر المنذر منه، وما هذا الا اعتناءً بأهمية وعظم خطره. وبطريقة القرآن الكريم ذاتها التي يرد فيها التحذير إذ تُخَتَتمُ الآيةُ بالوعيد والتخويف، وفي الآية محل البحث أُختتِمت بقوله تعالى: (( قاتلهم الله أَنّى يؤفكون ) )قال النحاس: (( اي: عاقبهم فأهلكهم، فصاروا بمنزلة من قُتِلَ، وهذا أَشدُّ شدائد الدنيا، وكأَنَّ استعمال المقاتلة دون القتل للدلالة على الشدة ) ) [1] . وهذا القول. قاتلهم الله. (( أَشدُّ ما يكون من الذم والبلاء الذي ينزل بهم، وأَبلغ ما يكون في البيان من مكرهم ) ) [2] .

وإذا كان الوعيد يوحي بدلالات الشدة والقساوة إِنما هي دلالة على شدة التحذير وعظم المُحَذّر منه؛ لاسيما أنَّ القرآن الكريم يعادل بين الذنب والجزاء عند الأخذ به. وفي الآيتين محل البحث كانت الدلالة على معرفة عظم المُحَذَّر منه سياقية، إذ أَنَّ السياق القرآني أفاد ذلك، لما أورده من اساليب ومعان دلَّت عليه.

الله يحذّر من مخالفة نبيه

أمر الله جلَّت قدرتهُ عباده اخذ ما يأمرهم به نبيهم (( - صلى الله عليه وسلم -) وعدم المخالفة، قال تعالى: (( لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) )النور/ 63.

(1) اعراب القرآن 3/ 435.

(2) التبيان في تفسير القرآن 28/ 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت