الصفحة 150 من 301

قال الزجاج: (( المصدرُ في قوله: دعاء الرسول. مضافُ إِلى الفاعل، أَي: كدعاء الرسول عليكم ) ) [1] . أَمَّا المفسرون فذكر عددُ منهم أَن قوله تعالى: (( لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ، أَي: احذروا دعاءه عليكم إِذا أَسخطتموه [2] . وقد ذهب الفخر الرازي إِلى ما ذهب اليه سابقوه بقوله: (( وهذا النهيُ، أَي: لاتجعلوا، معناه: احذروا ) ) ( ... ) ، ويدلُّ عليه قوله: (( فليحذر الذين يخالفون عن امره ) ) [3] وعلى قول الفخر الرازي يعني أَنَّه أَخرج النهي من معناه لإِفادة الأَمر. وهذا ما اكّده السيوطي ت905هـ بقوله: (( إِنَّ النهي ينزلُ من الأَمر منزلة النفي من الايجاب ) ) [4] . ثم أَمر تعالى متوعّداَ بقوله: (( فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ ) )وهذا تهديد، والتهديدُ بالمخالفة دليل الوجوب [5] . وعلى هذا فإنَّ الآية الكريمة تأَمر المخالف بوجوب الحذر من نزول العقاب، لأَنَّ العقاب يكون بعد تحقق المقتضي له، وقد تحقق ذلك عند حصول المخالفة، وفي هذا المقام أَورد الرازي (ت 606هـ) تساؤلًا وأَجاب عنه، فقد قال: (( لمَ لايجوز أَن يكون قوله(فليحذر) أَمرًا بالحذر عن المخالف، لا أَمرًا للمخالف بالحذر؟ قلنا: لو كان كذلك لصار التقدير: فليحذر المتسللون لواذًا من الذين يخالفون أمره، وحينئذ يبقى قوله: أن تصيبهم فتنة او عذاب اليم ))ضائعًا، لأَنَّ الحذر ليس فعلًا يتعدّى إلى مفعولين )) [6] . والأَمرُ بالحذر في قوله: (( فليحذر، إِن الفاء في أَوّله أَفادت ترتيب الحذر، أَو الأمرَ به على ما قبلها من علمهِ تعالى بأَحوالهم، فإنّه مما يوجب الحذر البتة ) ) [7] وبين هذا وبين سابقهِ (قول الرازي) اختلافُ كبير، فعلى قول الرازي يكون المحذَّر منه مخالفة أَمر النبي (( - صلى الله عليه وسلم -) ، وأَمّا على القول الثاني يكون المحذَّر منه (علم الله) الذي ورد ذكرهُ في الآية الكريمة، وقد حصل هذا التباين بسبب عودة الضمير في قوله: (أمره) فمنهم

(1) اعراب القرآن 1/ 128.

(2) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 18/ 466، مجمع البيان في تفسير القرآن 7/ 158. الجامع لأحكام القرآن 12/ 322.

(3) التفسير الكبير 24/ 28.

(4) الأشباه والنظائر في النحو، جلال الدين السيوطي، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، القاهرة، 1975: 2/ 304

(5) ينظر: أَساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين 95.

(6) التفسير الكبير 24/ 42.

(7) الفتوحات الإلهية 3/ 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت