فهرس الكتاب
(( وعيدُ شديدُ، وحثُ جديدُ على الانتهاء بصيغة الاستفهام، بعد بيان الصوارف والتأكيدات للإعلام بأَنَّ الحالةَ في المنع والتحذير قد بلغت النهاية ) ) [1] .
ومن خلال الأَقوال السابقة يتبيّن أَنَّ الاستفهام في الآية الكريمة الذي أَفاد الأَمر بمعنى: انتهوا، تضمَّن تهديدًا شديدًا، أَفاد الترهيب والوعيد الشديدين، وهذان المعنيان يتوافقان مع السياق؛ لأَنَّ المقام يقتضي ذلك فالموضعُ موضعُ تخويف. ثم أَمر تعالى قائلًا: (( وأطيعوا الله وأَطيعوا الرسول واحذروا فإنَّ تولوا فاعلموا ) ). لو تأَمّلت الأَفعال التي وردت في هذا القول تلاحظ أَنَّها جاءت بصيغة واحدة، وهي صيغة الأمر. والأَفعال الدالة على الأَمر في قوله: (( وأطيعوا، وأطيعوا، واحذروا، أفادت النصح والإرشاد، أَمَّا قوله:(فاعلموا) فأفاد التهديد [2] . وعندما كان السياق القرآني يُفيد الوعيد والتهديد الشديدين كيف عُطِفَ عليه بنصح وإِرشاد. أَجابَ عن هذا القرطبي (ت 671هـ) بقوله: (( وحَسُنَ عطف واطيعوا. لما كان في الكلام المتقدّم معنى انتهوا، كرر وأَطيعوا في ذكر الرسول (( - صلى الله عليه وسلم -) تأَكيدًا ثمَّ حَذّر من مخالفة الأَمر، وهذا تأكيدُ للتحريم، وتشديد في الوعيد، وإِمتثال للأَمر )) [3] . وقد ذهب الزمخشري من قبلُ الى أَنَّ الأَمر بالحذر يتضمّن معنى الحال، ويتضحّ هذا من قولهِ: (( وقولُه تعالى: واحذروا، الأَمرُ بالحذر، أي: كونوا حذرين خاشين، لأَنَّهم إِذا حذروا دعاهم الحذر إلى اتقاء كلِّ سيئةٍ، واحذروا ما عليكم من الخمر والميسر ) ) [4] . وحينما حُمِلَ قوله تعالى: (( فهل أَنتم منتهون (( على معنى الوعيد لإفادة التحذير كما تبيّن سابقًا جاء قولهُ(واحذروا) ليوكّد ذلك المعنى، إلاَّ أَنَّ هذا التقدير يُقدِّم الحذر على الطاعة، والحالُ تقتضي تقديم الطاعة على الحذر، لأَنَّ (( الحذرَ امتناع القادر من الشيء لما فيه من الضرر ) ) [5] ؛ لأَنَّ من أطاع الله ورسوله كان حذرًا من الوقوع في المحارم التي نهى الله عنها بصدر الآية. ويمكن أَن يكون قوله تعالى: (( واحذروا ) )عما نهاكم، وعلى هذا التقدير
(1) مواهب الرحمن في تفسير القرآن 12/ 391.
(2) يُنظر: الجامع لإحكام القرآن 6/ 292.
(3) المصدر نفسه 6/ 292.
(4) الكشاف 1/ 660.
(5) التبيان في تفسير القرآن 4/ 19.