الصفحة 154 من 301

لا تأكيدَ في الآية المباركة. إلا أَنَّ الاية تحملُ توكيدًا يتّضحُ من دلالات الأَفعال، فالأَمرُ باجتناب الأَرجاس أَوّلًا، والأَمر بطاعةِ الله وطاعة رسولهِ ثانيًا، والأَمرُ بالتحذير الصريح ثالثًا، هذه الصيغ تُزيد التحذير والتأكيد للأَمر السابق بالانتهاء عن المحارم. وعلى الطريقة التي انتهجها القرآنُ الكريم في سياق التحذير الصريح حيث يختمه بالوعيد، وفي الآية محل البحث قال تعالى خاتمًا إيّاها: (( فإنْ توليتم فاعلموا أَنَّما على رسولنا البلاغُ المبين ) ). فالنتامل معًا بعض ما قاله المفسرون في قوله تعالى: (( فاعلموا (( قال الطبري(ت 310هـ) : (( وهذا من اللهِ وعيدُ شديد لمن ولَّى مدبرًا عن أَمره ونهيهِ، فقولهُ: فان توليتم، عن أَمري ونهي فتوقّعوا عقابي وتوقّعوا سخطي ) ) [1] . وقد تابعه على ذلك عدد من المفسرين فقد ذكروا أَنَّ قوله (فاعلموا) . إِنما جيء به بعد التحذير لإفادة التهديد والوعيد [2] . مما سبق تلاحظ أَنَّ الله سبحانه وتعالى جمع أَساليب عِدّة في سياق آية التحذير، مبتدأ بالاستفهام الذي أُخْرِجَ من معناه الأصلي إِلى معنى ثانٍ، فالأفعال التي أَفادت النصح والإرشاد من ضمنها فعل الأَمر (احذروا) ، إِذ خرج من معناه المعجمي الذي يُعمد اليه في التخويف الى النصح والإرشاد، ثم تُختتمُ الآية بالوعيد. من هذا يتضحُ أَنَّ الأَمر بالحذر جاء بعد سلسلة من الأَساليب متبوعًا بالتخويف حتى يتسنّى لمن يصل اليه التبليغ معرفة خطر المحذَّر منه ليتجنبه.

وينتقلُ التحذير الصريح في القرآن الكريم من العدو الأَول للبشر وهو الشيطان، إِلى عدو البشر من جنسهم البشري، قال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فإنفروا بثانٍ او انفروا جميعًا ) )النساء / 71. يخاطب الله تعالى عباده المؤمنين أمرًا إِياهم بأَخذ الحذر.

لقد تباينت أَقوالُ المفسرين في بيان معنى قوله: (( خذوا حذركم ) )، وهذا التباين نتج من أَنَّ الأَخذ يكون للشيء المادي الملموس، والحذرُ شئُ معنوي، فكيف يتم التوافق بينهما؟ هذا ما دعا المفسرين واللغويين إلى تأويل الحذر وتفسيره بوجهةٍ متوافقةٍ مع الآية

(1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 7/ 36، ينظر: التفسير الكبير 12/ 82.

(2) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 4/ 21، مجمع البيان في تفسير القرآن 3/ 240، روح المعاني 7/ 17، الميزان 6/ 125، مواهب الرحمن 12/ 392.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت