فهرس الكتاب
العام )) [1] . وحسب هذا التقدير لاتحتاج الآية الى تقدير حذف مضاف، فالحذرُ بقي على معناه الحقيقي ولم يُرد به أَيُّ معنى ثانٍ. وبتباين معنى الحذر في الآية الكريمة إلا أَنَّ المحذِّرَ واحد وهو الله جلَّت قدرته. أما المحذَّرون فهم المؤمنون، والمُحذَّر منه الأَعداء الذين خرج الحذر من معناه الأصلي للتأهب ضدَّهم. ويتكرر الأَمرُ ذاتُه في السورة ذاتها، قال تعالى: (( وإِذا كنتُ فيهم فاقمت لهم الصلواة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا اسلحتهم فاذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأتِ طائفة أخرى لم يُصلّوا فليصلوا معك ولياخذوا حذرهم واسلحتهم وذَّ الذين كفروا لو تغفلون عن اسحتكم وامتعتكم فيميلون عليكم ميلةً واحدة ولا جناح عليكم ان كان بكم أذى من مضر او كنتم مرضى ان تضعوا اسلحتكم وخذوا حِذركم إنَّ الله اعدَّ للكافرين عذابًا مهينا ) ). النساء / 102. لقد اختلف المفسرون والفقهاء في الآية المباركة في بيان الطائفة التي أُمرت بالصلاة، والأُخرى التي أُمِرتْ بأخذ الأَسلحة والحذر. وهذا الاختلاف أَحدثه الضمير (هم) الذي اتصل بحرف الجر (في) ، فأَيُّ الفريقين يصلي، وأيُّهما مأمورُ بأَخذ سلاحهِ وحذرهِ. وهذا الموضع ليس موضعًا للبحث في هذا الموضوع بل بحثُ للسياق الذي جاء فيه التحذير. قال الزجاج في الآية محل البحث موضّحًا صفاتها: (( اختصر وأَوجز وأَطنب وأَسهب وأَتى بالبلاغةِ والفصاحةِ بحيث لا يفوتُها كلام ولا يبلغ كنهها بشر ) ) [2] . فلنتدبرْ معًا ما قاله الزجاج من خلال تطبيقهِ على الآية المباركة. أَمَّا الاختصارُ والإِيجاز فيتمثل بحذف المفعول من قوله تعالى: (( فليصلّوا معك ) )، وحذف الجار والمجرور من قولهِ: (( فلتقم طائفةُ منهم معك ) )، والإِضمارُ في قوله تعالى: (( وليأخذوا أسلحتهم (( أَي غيرُ الطائفة المأمورة بالقيام معه، فلا ينصرف الضمير من قوله:(وليأخذوا) إلى الظاهر قبله، وإنما التقدير: وليأخذوا باقيهم أَسلحتهم، فحذف المضاف فاتصل المنفصل [3] . وهذا هو الإِيجاز والإِطناب الذي ذكره الزجاج. وقولهُ
(1) الميزان في تفسير القرآن 4/ 415.
(2) اعراب القرآن، المنسوب للزجاج: 1/ 31.
(3) ينظر: اعراب القرآن، المنسوب للزجاج 1/ 31.