الصفحة 159 من 301

تقدَّم من الله اليها، وللإِنذار، وخوف الوعيد نفرت )) [1] . اما الآلوسي (ت 1270هـ) فقد رأى ان لإِختيار قوله: (ينذروا، ويحذرون) سببًا يجعل هذه الأَلفاظ اكثر توافقًا من غيرها في السياق الذي جاءت فيه، ويتضح هذا من قوله: (( والظاهرُ أَن يُقال: ليُعْلِموا بدل لينذروا، ويفقّهوا بدل يحذرون، لكنه أَخبر ما في النظم الجليل للإِشارة الى أَنّه ينبغي أن يكون غرضُ المعلِّم الإِرشاد، والإِنذار، وغُرضُ المتعلِّم اكتساب الخشية، لا التسلّط والاستكبار ) ) [2] . وهذا يعني ترغيبًا بالعلم من جهة وترهيبًا وتحذيرًا من أَن يُغر صاحب العلم من جهة أخرى. وبعد أَن حصل التفقّه وحصل الإِنذار، وأَصبحوا عالمين بشؤون دينهم وجب بعد هذا العلم الحذر، وقد تمثَّل ذلك بقوله: (( لعلهم يحذرون ) )وهذا القولُ معناه الأَمر، فقد أَمر سبحانه القومَ بالحذر عند الإِنذار، لأَنَّ معنى القول ليحذروا [3] . وإذا كان معنى لعلهم يحذرون احذروا سيعود الضمير في يحذرون إلى الفرقة الباقية مع النبي (( - صلى الله عليه وسلم -) ؛ وذلك لأَنَّه يكون معطوفًا على قوله تعالى: (( ليتفقهوا ولينذروا (( ومهما يكن من شيء سواء أَكان الفعل بمعنى الأَمر ام المضارع فالمحذَّر منه لم يرد له ذكرُ في الآيةِ المباركة، بل جاء اللفظ عامًا مطلقًا لم يُقيد بشيء، ويمكن أَن يُستنتج المحذَّر منه من حد الحذر الذي هو (( اعداد ما يتقي الضرر ) ) [4] فيدخل الأَمر بالحذر في هذا الموضع كل ما تضمّنه التعريف من معان. وبهذا يكون التحذير عامًا مطلقًا لم يُقيد بأشياء تذكر.

لو تتبعت آيات الذكر الحكيم التي تحذّر المؤمنين تحذيرًا ظاهريًا تجد من هذه الآيات حذّرت من أَقرب الناس صلةً منك أيها المؤمن. قال تعالى: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) )التغابن /14. تجد في الآية الكريمة المحذَّر منهم الأَزواج، والاولاد (( وقد أُدخلت(من) التي أَفادت التبعيض على هذا التعبير، فليس كل الأزواج والأَولاد أَعداءً )) [5] . أَمَّا

(1) جامع البيان عن تأويل أي القرآن 11/ 70 - 71.

(2) روح المعاني 11/ 48.

(3) ينظر: الكشاف 2/ 311، تفسير ابي السعود 2/ 303، روح المعاني 11/ 48.

(4) التبيان في تفسير القرآن 10/ 291.

(5) البحر المحيط، الهامش لابي حيان: 8/ 278.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت