فهرس الكتاب
السورة في قوله: (( يحذر المنافقون أن تنزّل عليهم سورة (( فما معنى قوله: (( مخرجُ ما تحذرون ) )قلتُ: معناه محصّل مبرر إِنزال السورة، أَو إِنَّ الله مظهرُ ما كنتم تحذرونه، أَي: تحذرون إِظهاره )) [1] . من هذا يتبيّن أَنَّ الفعلَ (يحذر) دالُ على الأَمر مع كونه مضارعًا، وبتعبير آخر، إِنَّ هذا المضارع قد حذفت منه لامُ الأَمر، وحذف لام الأَمر أَجازه جمهور البصريين في ضرورة الشعر، إذ يجوز حذف لام الأَمر بشرط إِبقاء عملها، وقد استندوا في إِجازة ذلك إلى شواهد كثيرة جاء فيها المضارع مبنيًا، أَو ساكن الحركة، قال سيبويه: (( إِعلمْ إِنَّ هذه اللام، قد يجوز حذفُها في الشعر، وتعمل مضمرةً، كأَنَّهم شبهوها بـ(أَنْ) إِذا أَعملوها مضمرةً )) [2] . الا أَنَّ الزمخشري في موضع ثانٍ توسّعَ في دائرة حذف لام الأَمر وتجاوز بها الشعر إِلى النثر واِستشهد على ذلك بقوله تعالى: (( هل ادلكم على تجارةٍ تنجيكم من عذاب أليم تومنون بالله وتجاهدون في سبيل الله ) )الصف 10 - 11، فقد قال: (( فإن قلت: ما وجه قراءة زيد بن علي، تؤمنوا، وتجاهدوا؟ قلت: وجهها أَن تكون على إضمار لام الأَمر ) ) [3] . وعندما يكون الفعل (يحذر) خرج لإفادة الأَمر سيؤدي دلالة التخويف والوعيد، وهذان المعنيان ذهب اليهما الطوسي وتبعه الزمخشري وقد تمثّل هذا التخويف بإخراج الله سبحانه لما يحذرونه. اما الفخر الرازي (ت 606هـ) فقد عدَّ قوله: يحذر المنافقون (( استشعار حذر من أَن تنزّل عليهم آية تكشف أسرارهم ) ) [4] . ولم يكن قوله: (يحذر) الوحيد في الآية المباركة الذي أَفاد التهديد بل إِن قوله: (قل استهزؤا) خرج للدلالة ذاتها، وهذا ما صرّح به عددُ من العلماء، قال ابو عبيدة: (( مجازُه مجاز التوعّد، والتهدد، وليس بأمر طاعةٍ او فريضة ) ) [5] . وقال الزمخشري (ت 538 هـ) : (( الأَمرُ بالوجوب في
(1) الكشاف 2/ 277.
(2) كتاب سيبويه 3/ 8 - 9، ينظر: الانصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، لابن الانباري ومعه كتاب الانتصاف من الانصاف، تأليف: محمد محي الدين عبد الحميد، دار احياء التراث العربي، ط4، 1961: 2/ 547.
(3) الكشاف 4/ 100.
(4) التفسير الكبير 2/ 70.
(5) مجاز القرآن 2/ 1122، ينظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن 10/ 171، التبيان في تفسير القرآن 10/ 291، وتفسير القرآن العظيم 2/ 351.