فهرس الكتاب
أصلهِ، إلاَّ أَنْ يدلَّ دليل على خلاف الوجوب )) [1] . وهذا واضحُ للعيان فإِنَّ الله جلَّ ثناؤه لا يأمرُ بالاستهزاء، وإِنما يُخرجه لغرض آخر (( والعربُ تخرج الكلام بلفظ الأَمر، ومعناه فيه النهي او التهديد والوعيد ) ) [2] . وقد جعل الدكتور قيس الأَوسي قوله تعالى: (( قل استهزؤا ) )تحت عنوان التهديد والوعيد [3] . فتهديدان ووعيدان في الآية المباركة يمكن أَن يتوافقا مع تصدّر الآية بـ (أَمر) يؤتى به إفادة التخويف والتهديد أَيضًا ليصبح المعنى: ليحذر المنافقون تنزيل سورة يفتضحون بها. أمَّا بعضُ المفسرين فقد اِستبعد أَن يكون الفعل يحذر، يُفيد الأَمر بالحذر، بل حملوه على ظاهرهِ من إِفادة الإِخبار، قال القرطبي (ت 671هـ) : (( يحذر المنافقون خبر، وليس بأَمر، ويدلُّ على أَنه خبر أَنَّ ما بعده، إِنَّ الله مخرج ما تحذرون؛ لأَنَّهم كفروا عنادًا ) ) [4] . من هذا يتبيّن أَنَّ حذر المنافقين كان سابقًا لإِنزال السورة التي يخشونها، فأَراد اللهُ عقابهم بما يحذرونه ويخافونه، لأَنَّه يكون أَكثر إِيلامًا لهم، فاختار تنزيل السورة؛ لأَنهم أَبدوا حذرهم منه، وعلى هذا لا أمر في قوله تعالى: (يحذر) . وإلى مثل هذا ذهب أَبو السعود إذ ذكر (( أَنَّ المنافقين قد أظهروا الحذر، وكان إِظهارهم للحذر بالاستهزاء، لذا جاء الأَمرُ، استهزؤا، أَي: افعلوا الاستهزاء، والمنافقون أَظهروا الحذر ولكنهم بالحقيقة لم يكونوا حذرين؛ لأنهم ليسوا بمؤمنين، لذا لا يحتاجون الى الحذر ) ) [5] . من هذا يتبين أَنَّ أَبا السعود اخرج الفعل من دلالة الأَمر الى دلالة الإِخبار، وهذا الإِخبار أَفاد إِظهار المنافقين للحذر غير الواقعي الذي ابتغوا منه الاستهزاء. وقد أَنكر صاحبُ تفسير المنار كون الحذر غير واقعي بقوله: (( ويؤيده إِسناد الحذر إليهم في أَولِ الآية وآخرها، ولو صَحَّ هذا، أَي:(الحذر غير الواقعي) لذُكِرَ عنهم ذلك بالحكاية، فأَسند الحذر الى قولهم، ولم يسنده اليهم، كما أَسند إليهم كثيرًا من الأَقوال، ويؤيّد وقوع الحذر منهم في قوله تعالى في السورة المضافة إلى اسمهم بقوله: (( يحسبون
(1) الكشاف 2/ 277.
(2) اساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين 98 - 99.
(3) ينظر: المرجع نفسه 207.
(4) الجامع لأحكام القرآن 8/ 195، ينظر: تفسير المنار 10/ 610.
(5) تفسير أَبي السعود 2/ 280.