فهرس الكتاب
كل صيحة عليهم )) المنافقون / 4. وحذّرهم من تنزيل هذه السورة، وليس من الاستهزاء )) [1] من هذا يتبين أَنَّ صاحب المنار أَيّد وقوع الحذر الحقيقي من المنافقين، وبهذا أعطى للفعل دلالة الإِخبار لا غير. وبعد الأمر أو الإِخبار يُبَيّنُ تعالى المحذَّر منه بقوله: (( أن تنزّلَ عليهم سورةُ ) )، فقوله: (( أن تنزّل (( في موضع نصب بـ(يحذر) ، على أَنها متعدّيةُ بنفسها، ويجوز أَن تكون بحرف الجر، أي: من أن تنزّل، فيكون معه نصبًا أو جرًّا [2] . وقد ذهب صاحبُ الفتوحات الإلهية إلى ما ذهب اليه سابقه، فقد عَدَّ (بحذر) متعديًا بنفسهِ، ولو أَنَّه متعدٍ في الأَصلِ بنفسهِ لواحد لما اكتسب بالتضعيف مفعولًا ثانيا [3] . كما تباينت آراء المفسرين في بداية الآية الكريمة في تحديد صيغة الفعل (يحذر) أَخذ التباينُ طريقه ليصلَ إلى الضمائر التي في قوله تعالى: (( عليهم، تنبئهم، قلوبهم (( إِلى من تعود هذه الضمائر؟ للمؤمنين أم للمنافقين؟ ويظهر ذلك واضحًا حين نطلّع معًا على النقطتين الآتيتين:
اولًا: قال الزمخشري (ت538هـ) : (( الضمير في قوله(عليهم، تنبئهم) للمؤمنين، وفي (قلوبهم) للمنافقين، وصحَّ ذلك؛ لأَنَّ المعنى يقودُ اليه. ويجوز أَن تكون الضمائر عائدةً للمنافقين، لأَنَّ السورةَ إِذا نزلت في معناهم فهي نازلةُ عليهم )) [4] . وإلى مثل هذا ذهب الفخر الرازي (ت 606هـ) فقد قال: (( ويجوز أَن تكون الضمائر كلها للمنافقين؛ لأن السورةَ إِذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم ) ) [5] . على هذين القولين يكون حرف الجر (على) بمعنى (في) ، أي: في شأن المنافقين. وعلى هذا يكون التحذير ذا دلالة بينة الشدة؛ لأَنَّ السورة كشفت ما يضمره المنافقون لأعدائهم وهم المؤمنون.
(1) تفسير المنار 10/ 610.
(2) ينظر: التبيان في اعراب القرآن 2/ 650.
(3) ينظر: الفتوحات الإلهية 2/ 295.
(4) الكشاف 2/ 277.
(5) التفسير الكبير 16/ 121.